طوكيو جسر الأحلام

طوكيو جسر الأحلام
طوكيو جسر الأحلام

يروي الباحث المصري رضا محمد عبد الرحيم حكاية رحلته لليابان بدءًا من لحظات وصوله إلى طوكيو وحتى زيارته إلى المعهد العربي بطوكيو، حيث يستعرض بالتفصيل زيارته من عدة جوانب مبرزًا أكثر ما نال إعجابه خلال هذه الرحلة، إليكم ما كتب عن تجربته:



يقول أرسطو معلم الإنسانية الأول: “الدهشة بداية المعرفة “. فالإنسان يندهش لما يراه ويحاول أن يفهم، والذي لا يندهش لما يراه ويسمعه فهو ليس هنا وليس هناك. إنه غائب عن الدنيا أو الدنيا قد غابت عنه.  فالدهشة تصلح فى معنى الحب!

وأنا بمنتهى الدهشة والحب والحضور أكتب لكم عن مدينة طوكيو التي أحبها. صعدت على سلم الطائرة وأنا واجف القلب. ليس فقط لأنها أول رحلة لي بالطائرة. ولكن رحلتي جاءت زمنياً بعد كارثة سقوط الطائرة الروسية في نوفمبر 2015 (طائرة المتروجيت رحلة رقم 9268) بأربعة أيام فقط!                                                  

علامات الوجوم على وجوه المسافرين تزيدني رعبًا. فأنا ممن يجيدون قراءة الوجوه للأسف. يجلس بجواري رفيق يتسلح بالصمت، ومشغول بتشغيل شاشة إلكترونية مثبتة على ظهر رأس المقعد الذي أمامه تعرض فيها خريطة لتتبع الرحلة. وبعد ساعة ونصف  تقريباً، تنفس الصعداء قائلاً: الحمد لله لن نمر على سيناء. فقلت له الحمد لله. وعرفت أنه طبيب أسنان مصري يعمل بقطر. وبعد أربع ساعات ونصف كنا فى مطار الدوحة وبعد أربع ساعات أخرى من الانتظار(ترانزيت) صعدت إلى الطائرة المتجهة إلى مطار” ناريتا” بطوكيو. والذي ستستغرق الرحلة إليه أحد عشر ساعة.  ولكن متابعة السحب عبر النافذة والخريطة الإلكترونية  وما تشير إليه من بلدان (كل دول قارة آسيا تقريباً) كان وسيلتي الوحيدة لتزجية الفراغ. وكل البلدان تتشابه خاصةً إن كنت تنظر إليها وأنت داخل طائرة بارتفاع 37 ألف قدم!

كنت قد قرأتُ عن طوكيو لصديقي الكاتب المغربي الكبير بنجلون فى كتابه البديع” أن ُتسافر” وقد دغدغ مشاعري بعنوانه طوكيو .. جسر الأحلام! وقد علق بذهني  بعض سطوره: أن تاكيشيما هو الاسم الحقيقى لليابان. قبل أن يتحول إلى الاسم الحالي الذي أطلقه اليابانيون عليها. وسميت بجسر الأحلام لأن هناك في معتقداتهم إلهاً يُيسر الزفاف لمن يأتيه على ركبتيه طائعًا خاضعًا. وهذه حالتي بعد أن تيبست عضلات قدماي من طول الجلوس بالطائرة. ،فهل سأقابل هذا (الإله) فى طوكيو؟! ربما!

ها أنا ذا قادم إليك  طوكيو.. جسر الأحلام! 

أنهيت إجراءات الوصول ووجدت نفسي فى بهو مطار” ناريتا” أبحث عمن يستقبلني. وبالفعل، وجدتّ فاتنة تحمل لافتة باسمي لتقودني إلى محطة سيارات الأجرة، ومنها انطلقت بمسافة 90 كيلومترًا إلى قلب العاصمة نحو الفندق. أتحسس كل الطرق والشوارع المضاءة بأشجار تشع نورًا وخضارًا ،وأصل للفندق (فندق يوكو) فأحتضن السرير وكأني لم أغادر بعد مقعدي فى الطائرة!

صباح مشرق، وقواعد جديدة يجب أن أستوعبها بسرعة. يجب أن أتعامل في الفندق بنظام. وفى الشارع بنظام، وفي العمل بنظام. أو ما أطلقت عليه حينئذ “قوة السيستم”. كان خط سيري “محدودًا جدًا” بين الفندق ووكالة شبكة طوكيو للبث الإذاعي والتليفزيون (تى. بي. إس) صاحبة امتياز عرض الآثار المصرية بطوكيو. إضافةً إلى برج موري حيث يوجد معرض الآثار المصرية الذي سأكون مرافقا له. فهو سبب تواجدي هنا. ولكني حفظت كل شارع رئيسي وفرعي، دخلتُ كل معبد، وكل ضريح، تحدثت مع كل من قابلني، دون عائق من لغة، من منطقة “شيبا” حيث يوجد برج طوكيو، حتى المعهد العربي الإسلامي بجوار سفارة الصين بطوكيو، وانطلقت إلى جبل فوجي وحيدًا في رحلة  ممتعة وبديعة. فكيف أذهب إلى طوكيو ولا أزور فوجي؟!

وكم كنت أتمنى أن تطول الإقامة أكثر، لأزور كيوتو وأزور القصر الإمبراطوري، وأقابل الإمبراطور،  لمَ لا؟! وأذهب إلى السبع وأربعين محافظة ولكن كيف؟! فليس هناك شىء يكشف عن قصر نظر الخيال أو شطحاته كالسفر!

إن تغيير المكان يستطيع التغيير فى أفكارنا، بل في آرائنا وشعورنا. يوم بعد يوم أصبحت يابانيًا أسجل كل ما أراه. أتعامل معهم بالعاطفة الجياشة والمفارقة اللماحة. فالعين والعقل يقول كل شيء بشرط أن نعرف كيف نحل ألغازه  كما أخبرنا جان بول سارتر. فالإدراك الحسي للعالم يبدأ بالرؤية. وأن هذه الرؤية تتجه أول الأمر إلى سطح العالم لكنها لا تلبث أن تتوغل داخله بحيث يدرك الإنسان العالم المحسوس ويبلغ خفاياه. وكان هذا تماما منهجي للتوغل داخل هذا المجتمع الياباني، وكانت الرؤية عندما يقف العقل عاجزًا عن تفسيرها.

أول ما لفت انتباهي هو الشارع في طوكيو. الشوارع هنا غير مزدحمة بالسيارات ولا بالبشر! على الرغم  أن طوكيو تعدادها 30 مليون نسمة ومع هذا الشوارع تقريبا خالية، والجميع ملتزمون بأصول القيادة وقواعد السير. وعلى الرغم من رؤيتي لأنواع كثيرة من السيارات الموجودة في مصر إلا أنّ طرازاتها مختلفة تمامًا في اليابان! فسيارات  شركة تويوتا على سبيل المثال: كورولا، وكريسيدا الموجودة فى بلادنا  ليست موجودة هنا في اليابان. فالموجود طرازات حديثة مثل Prius ,VellFire, Alphard .

تويوتا Alphard  من أكثر سيارات تويوتا انتشارًا في اليابان
تويوتا Alphard من أكثر سيارات تويوتا انتشارًا في اليابان

ويعشق اليابانيون السيارات الرياضية الصغيرة ذات المقعدين مثل عربيات فيراري وبورش بألوانها الزاهية. كما يفضلون الدراجات التى تعرف باسم “ماماتشاري”. وهي دراجات هوائية عائلية صممت لتلبية احتياجات الأمهات فى المدن المزدحمة لنقل اثنين من الأطفال أو مشتريات الأسرة ويمكن استخدمها بسهولة وبأي ملابس للرجال والنساء ويرجع تاريخها إلى عام 1950.

“عمار يا طوكيو”

يوجد بكل شارع – تقريبا- مركزًا للشرطة يتخذ شكل كشك (مثلث)السقف. أو محلاً صغيرًا فى مول تجاري كبير ويعرف باسم (“هاشوتسو-جوHashutsujo”) أى كشك رجل الشرطة الذى يشبه إلى حدٍ ما كشك الهاتف.

 كما يمكنك أن تشاهد دورية أمنية من مجموعة من رجال الشرطة على دراجات فى شوارع العاصمة الحديثة جنبًا إلى جنب مع أحدث عربات الشرطة.. كما أنني لم أجد فى ملابس رجال الشرطة أو في أيديهم أى نوع من السلاح سوا عصا طويلة  رفيعة يتكأ بعضهم عليها أثناء وقوفهم فى نوبات عملهم أمام باب مراكزهم الأنيقة والبسيطة.

 كما تكثر بها محلات بيع الحيوانات الأليفة بصورة لافتة. بالإضافة إلى مراكز رعاية الحيوانات (حضانات). كما تكثر محال بيع الأطعمة سابقة التحضير والتي تضع ثلاجات عرض لأطباقها أمام أبوابها مزودة بسعر كل طبق. وهي لوحات فنية مبهرة  تدهشك رؤيتها.

 ومن أشد ما أبهجني سلوك اليابانيين نحو حيواناتهم الأليفة والتي تنافس فيها اليابانيات على وجه الخصوص نساء مدينة لندن فى حبهن للكلاب واهتمامهن برعايتها. وقد شاهدت أنواعًا كثيرةً منها لا أعرف لها اسمًا،  فبعضها يتميز بالضخامة والآخر بالضآلة. وكل امرأة تصطحب كلبها صباحًا ليمارسا معًا رياضة المشي وهى حريصة كل الحرص على نظافة الحديقة والشارع واضعةً في حقيبتها قفازًا  وأكياسًا بلاستيكية لتنظيف ما قد يسقط من فضلاتها  على الأرض بمنتهى الرقي والتحضر. 

وﻻ تستطيع هنا أن تترك قدميك للريح. أو تعتمد على ما تظنه فيك من فطنه ورثتها من جدودك اﻷولين! أو حتى على قوة ذاكرتك! فحتى التسكع هنا يحتاج إلى العلم. فلن تجد زيدًا أو عبيدًا فى انتظار سؤالك الممل عن اسم محطة مترو.  أو حتى شارع، فالوقت هنا له ثمن، وقيمة.

وللمساعدة وتقديم يد العون، ستجد الخرائط الورقية الملونة في محطات المترو، والحدائق العامة،وفي الكثير من الأماكن. وهي فى الحقيقة أهم بكثير هناك بالنسبة للزائر من برامج وتطبيقات الموبايل مثل MAPS.ME أو GPS.

المهم أن تجيد قراءتها والتعامل معها، فى البداية ستشعر أن الخريطة تحتاج إلى خريطة أخرى تشرحها. ولكن مع الوقت ستجد متعة كبيرة فى التفاعل معها. بل وستجدها خير دليل، وأفصح مُجيب!

حتى المترو في اليابان تتعامل فيه مع أجهزة لتسجيل اسم المدينة التى ترغب في الانتقال إليها لتخبرك بعدها عن ثمن التذكرة وبمجرد تزويدها بالمبلغ المسجل على سطح شاشتها تخرج لك التذكرة بلون الخط الذى يجب أن تسير عليه ليقودك إلى عربات المترو المتجهة إلى المدينة دون أن تحتاج إلى أن تسأل أحدًا! أو تستعين بصديق!

ولم أرَ فى سماء طوكيو الصافية غير طائر واحد له السيادة وهو الغراب. مما زاد من دهشتي ،فالغراب في تاريخ الثقافات المختلفة للشعوب رمزًا للتشاؤم والتنبؤ بسوء الحظ للبشر! لكن يُقال: “أن هذا الشعب مثل ما على الأرض من شعوب”! وبالبحث تأكد حدسي فالغراب في الثقافة اليابانية أذكى الطيور. ولدى اليابانيين أسطورة البطل “جيموتينو” الذي كان يتجول باحثًا عن مكان لتأسيس مملكته عندما لمح غرابًا أرسلته أميرة الشمس “أميراتسو” حيث تبعه البطل إلى “ياموتو”حيث استقر هناك في 660ق.م. وأسس مملكته؛ ليصبح جد جميع أباطرة اليابان.

من أجمل الزهور التي رأيتها فى كوكب اليابان زهرة الاقحوان وهى عشبة يبلغ ارتفاعها (50-120سم) لها ساق مضلعة عارية ،وقليلة الفروع،والأوراق مجنحة ومسننة،وتفوح منها رائحة تشبه رائحة الكافور عند هرسها. أما الأزهار فمستديرة، في وسطها رأس نصف كروي أصفر اللون. وعلى الرغم من اعتبارها زهرة الحزن في فرنسا، إلا أنها تعتبر زهرة الفرح وللتزين الأعراس في اليابان! كما أن ختم إمبراطور اليابان يسمى ختم الأقحوان (كيكمون)،وهو شارة تستخدم من قبل أعضاء العائلة الإمبراطورية فقط.

معرض أثار عصر بناة الأهرامات بطوكيو

تم عرض 120 قطعة أثرية بالطابق رقم 52 (تصل إليه فى عشرين ثانية فقط بالمصعد!) وذلك في برج موري للفنون بمنطقة روبونغي هيلز بوسط طوكيو. وشغل معرض عصر بناة الأهرام ست قاعات للعرض مزودة بأحدث أجهزة التأمين. وكان الإقبال على المعرض إقبالاً يدعونا للفخر ويدخل على عقلي وقلبي السرور (متوسط عدد الزائرين اليومي يصل إلى 1500 زائر تقريبا ويتضاعف أيام الإجازات). والزائر الياباني مثقف لا يترك بطاقة شارحة إلا ووقف أمامها ليستوعب المعلومات المسجلة بها. ويسأل إن غمض عليه أمرًا. ويشاهد القطع الأثرية بهدوء وروية ويمكن أن يجلس فى المعرض أكثر من ثلاث ساعات ولا يغادره إلا وقد اشترى كتابًا شارحًا للقطع الأثرية المعروضة. كما يحرص على زيارة المعرض الأطفال والعجائز وحتى ذوي الاحتياجات الخاصة. ويؤمن المواطن الياباني أن زيارة المتاحف وسيلة  من وسائل التسلية والترفية، و وسيلة ثقافية جادة، وأن المتحف مكانًا لتهذيب الوجدان لا لتبلده.

حلوى “المعبود” آساهي

تجربة فريدة جاد بها الزمان بعد طول جفاء، حيث ساقتني اﻷقدار إلى ضريح آساهي بمحطة روبونغي هيلز بوسط طوكيو. وهو ضريح صغير ملحق بمقبرة كبيرة ﻷهل المدينة. و وجدتُ نفسي فجأة بين مجموعة من الكهنة، وجوههم بشوشه، يرتدون حلل بيضاء تشبه بدلة لعبة الكاراتيه، وأخذوا يرطبون جبيني بأعواد من القمح. وانا أسأل نفسي هل أنا مستيقظ أم فى حلم جميل؟! دفعني ترحابهم وهيئتهم إلى الدخول إلى صحن الضريح. ووجدت مصحنًا كبيرًا من الخشب يشبه الهاون، وعلى جانبيه مطارق خشبية. طلب مني كبيرهم أن أساعدهم في تحضير حلوى آساهي لم أفهم منه شيئا في البداية ولكنه بعد قليل وضع كمية كبيرة من اﻷرز المبلول في المصحن وأمسك بالمطرقة الخشبية ووضعها في وسط المطحن وأخذ يدور والكل يصيح باسم “آساهي”. ففهمت أنه يريد مني أن أفعل مثله. فخلعت سترتى وأمسكت بالمطرقة الخشبية اﻷخرى وصرنا ندور معا في اتجاه واحد. ومن وقت لآخر تأتي سيدة لتضيف بعض الماء للمسحوق الذي أصبح كالعجين.

شمر الكاهن عن ساعديه وبدأ فى طرق العجين وبادلته طرقة بطرقة، أحسست عندها بأني أتطهر من آثامي (فكلنا خطاة،وأرواحنا مثقلة بالآثام) يزيد من حماسى صيحات الحضور من وقت لآخر آساهي.. آساهي.. يطلقون على هذه الحلوى اسم “موتشي”. 

ﻻ أعرف كم من الوقت مضى!

كل الذي أعرفه أنني شاركت في إعداد حلوى “المعبود”.الذي أخذتها السيدة وبدأت فى تقريصها بحجم صغير وتكويرها  وإضافة مسحوق من اﻷعشاب إليها وتقديمها للحضور. قدمت لي طبقًا غير أنني لم أستطع بلعها، وهنا أشار الكاهن الكبير لي بالجلوس على مائدته حيث سأتناول مع الكهنة من طعام “المعبود”. وبعد قليل دخل علينا كاهن شاب ومعه أطباقًا بها شراب بداخله نوعًا من الخضار. وعندما بدأت بتذوقه وجدت أنه عبارة عن الكراث يتم سلقه في الماء! وأمام كل هذا الجمع الطيب تذكرت أن بصلة المحب خروف كما نقول فى مصر. وأكلت أطيب طعام فى حياتي.

معبد المحارب والقاضي

اكتشفت وجود هذا المعبد  بالصدفة أثناء سيري بمنطقة أساكوسا وتحديدًا فى أحد الشوارع الجانبية الضيقة بجوار وكالة TBS. وهو معبد بوذي يتقدمه تمثالين جالسين من الصلصال. يحمل التمثال الواقع إلى  يمين المعبد  حربة فى يده، وقاعدته على شكل زهرة  اللوتس وهو يحمل ملامح المحارب. العينان الحادتان هما أكثر ما يميزانه. ويعطي تماوج ردائه محيطًا لمثلث (متساوي الساقين) للشكل الخارجي. أما التمثال الأخر والواقع إلى يسار المعبد فله قاعدة مربعة وهو لرجل يتسم بالهدوء والرصانة. الوجنتان الممتلئتان هما أكثر ما يميزانه، وعلى رأسه قبعة تشبه قبعة الحاصلين على شهادة الدكتوراة. ونظارة طبية مما يدل على أنه رجل علم(معلم). ويقدم أمام التمثالين قرابين من ورود وبخور وشموع .

وأبواب المعبد مفتوحة دائمًا. الباب الرئيسى كبير ومزود بالدعامات المزخرفة ذات الأفاريز المعروفة باسم “ماسو- هيجيكي”،وبالجوار يقف ثلاثة تماثيل صغيرة للآلهة البوذية المنحوتة بورنيش اللك الجاف والبرونز المذهب. ويؤدي إلى ساحة التمثالين ومبنى المعبد الخشبي. وإلى جانب تمثال المعلم يوجد باب صغير يفضي إلى شارع جانبي ضيق جدًا.

هذا ما سجلته عند زيارتى لهذا المعبد. ولدى سؤالي صديقي الياباني Lioma – علمتُ أن الحروف اليابانية لا تحتوي على حرف L  وأن حروف r,d,j تنطق L– وأن اسمه يكتب Ryoma وينطق Lioma- وعدني بالبحث عن معلومات عن هذا المعبد والتواصل معي وإمدادي بما سيتوصل إليه ،وقد وفى بوعده وأرسل لي بأن ما تحدثت معه  بشأن المعبد جانبه الكثير من الصواب. فالمعبد بوذي اسمه معبد JYODOJI ،وهو يمثل أرض النقاء والطهر (الفردوس) فى العبادة البوذية والكائنة فى الحقول السماوية. وأن ما أسميته بالمحارب  يدعى JIZO SAMA،وهو -بحسب المعتقدات المحلية- “إله” لحماية المسافرين والأطفال. وهو أقدم من التمثال الثاني وربما يرجع  تاريخه إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية. أما التمثال الثاني وهو ما عرفته بأنه المعلم، فيدعى ENMA SAMA. وهو القاضي الخامس من قضاة بوذا فى مملكة الموتى. والذي يبلغ عددهم ثمانية. وربما يرجع تاريخه إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

معرض الفن التشكيلي للفنان اليابانى  Takashi Murakami

أقيم المعرض ببرج موري للفنون بوسط العاصمة فى الفترة بين 31 نوفمبر 2015 حتى 6 مارس 2016م،  فمما لا شك فيه أن الإبداع الساعي إلى الكمال هو الساعي بصورة ما أو بأخرى إلى تقديم ما يسمى بإعادة تشكيل الواقع ومحاولة بنائه وفقًا لرؤية نصية تتفق مع ما يمور بداخل المبدع بالمقارنة مع واقعه المحيط. وما يتركه تأثير هذا الواقع داخل نفسه المبدعة. بحيث تتحقق فيه- بصورة ما أو بأخرى- مقولة الفيلسوف الفرنسي”مالرو”عن إمكانية تحقيق نصر خفي على الكون.

الفنان الياباني تاكاشي موراكامي
الفنان الياباني تاكاشي موراكامي

هذه المقولة تصدق عند قراءة لوحات هذا المبدع اليابانى الكبير “تاكاشي موراكامي” وهو من مواليد طوكيو عام 1962. حيث ترى هذا التقدير للطبيعة بل والتقارب الكبير معها الشعور برهبة شديدة من تلك الطبيعة (زلازل وبراكين وتسونامي) والقادرة على السحق والتدمير- كما حدث في زلزال شرق اليابان الضخم عام 2011. وما حدث بعد وقوع الاهتزازات واكتساح أمواج التسونامي- والتطلع إلى السماء دائما- وهذا ما يظهر أيضًا في فن العمارة الحديثة هناك- هذه اللوحات (500 لوحة  جدارية)  ذات أحجام كبيرة (5 مترًا إرتفاعًا، 20 مترًا عرضًا) ،والتي تجسد أمل اليابانيين فى التحرر من تلك الكوارث المرعبة. فنرى جماجم كثيرة ،وأجسام طائرة، وعيون جاحظة . كما نجد رؤوس تتطلع إلى السماء ربما تبحث عن الأمان أو عن أرض ثابتة مستقرة، خطوط دقيقة وحادة تتلاشا شيئًا فشيئًا، حيوانات أسطورية، أكواخ مخروطية، ودخان وغبار كوني، وحلقات متداخلة تنقسم إلى حلقة رئيسية خافتة سرعان ما تختفى فوق قمم سحب-ربما تمثل التكرار الدائري لدورة الحياة أو التكرار الدائري لكل تاريخ العالم-، دوائر متحدة المركز، كائنات تشبه الكائنات الفضائية، وجوه حزينة وصارخة،أمواج عاتية، عواصف مروعة تكتسح كل شيء فى طريقها، حيوانات برية يخرج من رؤوسها الأشجار، رجال عجائز يؤدون الصلاة أمام كائنات خرافية مخيفة، مجسمات بلاستيكية (تشبه البالونات ) لكواكب فضائية ، وحيوانات بحرية أسطورية .جميعها تتمتع بألوانها الشديدة والألوان المتوهجة ،ناطقة بحب الحياة .

ولا أجد فى هذا أى تناقض بل أجد فيها عناصر متقابلة (مثل الحياة نفسها التى نعيشها)، وجميعها تشير إلى ثقافة وجمال وبراعة هذا الشعب العظيم الذي يخلق من معاناته مع بيئته تقدمًا فى جميع المجالات. ولم  يجعل من هذه المعاناة شماعة للخنوع والفشل . وعلى الرغم أن المعرض بعنوان الرسوم الهزلية للفنان تاكاشي. إلا أنني لم أجد فيها هزلاً قط! فهي رسوم مستوحاة من تراث وواقع المجتمع الياباني. وكنت أتمنى أن يصاحب عرض تلك اللوحات صوت قرع الطبول الكبيرة Den-den-den, doro-doro فى عروض الكابوكي التي تعبر عن دخول الأشباح. والتي كنت أستمتع بمشاهدتها طوال إقامتي عبر شاشة التلفاز.

المعهد العربي بطوكيو

المعهد العربي الإسلامي في طوكيو
المعهد العربي الإسلامي في طوكيو

يرجع تاريخ الدين الإسلامى فى اليابان إلى سنة 1891م، عندما اعتنق عدد من اليابانيين الإسلام. ولن أفوت هذه الفرصة لأحدثكم عن رجل لا يعرفه كثير من القراء، وهو رجل جدير بأن يعرفوه ويدرسوا آثاره،إنه الصعيدي فاتح إمبراطورية اليابان، وهو الشيخ الأزهري علي الجرجاوي ففى عام 1906 م، بقرية “أم القرعان” فى مركز”جرجا” بصعيد مصر، قرأ الشيخ أن رئيس وزراء اليابان الكونت (كاتسورا) أرسل خطابات رسمية إلى دول العالم ليرسلوا إليهم العلماء والفلاسفة والمشرعين وكل أصحاب الديانات لكى يجتمعوا فى مدينة طوكيو في مؤتمر عالمى ضخم يتحدث فيه أهل كل دين عن قواعد دينهم وفلسفته. ومن ثم تختار الحكومة اليابانية ما يناسبها من هذه الأديان ليكون دينًا رسميًا للإمبراطورية اليابانية بأسرها. وسبب ذلك أن اليابانيين بعد انتصارهم على الروس فى معركة “تسوشيما”عام 1905. رأوا أن معتقداتهم الأصلية “الكونفوشيوسية” لا تتفق مع تطورهم الحضاري وعقلهم الباهر ورقيهم المادي والأدبي الذي وصلوا إليه. فأرادوا أن يختاروا دينًا جديدًا للإمبراطورية الصاعدة يكون ملائمًا لهذه المرحلة المتطورة من تاريخهم. عندها أسرع هذا الصعيدي البطل إلى شيوخ الأزهر يستحثهم بالتحرك السريع لانتهاز هذه الفرصة الذهبية لنقل دين محمد إلى أقصى بقاع الأرض، في مهمة لو قدر لها النجاح لتغير وجه الكون. فلم يستمع الشيخ الجرجاوي إلا لعبارات”إن شاء الله”،”ربنا يسهل”. فكتب الشيخ علي الجرجاوي فى صحيفته الخاصة “الإرشاد” نداءً عامًا لعلماء الأزهر لكي يسرعوا بالتحرك قبل أن يفوتهم موعد المؤتمر. ولكن لا حياة لمن تنادي. فهل فوض الشيخ علي أمره لله وقال اللهم إني قد بلغت؟ هل استسلم هذا الشيخ لأولئك المثبطين وواسى نفسه بأنه قد عمل ما عليه؟

لقد قام هذا الصعيدي ليحمل هم أمة كاملة على كتفيه، وانطلق إلى قريته الصغيرة ليبيع خمس أفدنة من الأرض كانت جل ثروته. لينفق على حسابه الخاص تكاليف تلك المغامرة العجيبة التي انتقل فيها على متن باخرة من الإسكندرية إلى إيطاليا ومنها إلى عدن، ومنها إلى مومباي في الهند، ومنها إلى كولومبو فى جزيرة سيلان (سيريلانكا الآن). ومن هناك استقل باخرة لشركة إنجليزية متجهة لسنغافورة. ثم إلى هونغ كونغ. فسايغون في الصين، ليصل أخيرًا إلى ميناء يوكوهاما الياباني بعد مغامرة بحرية لاقى فيها هذا الصعيدي ما لاقاه من الأهوال والمصاعب. وهناك في اليابان كان العجب، وانظروا الآن إلى عظمة هذه الأمة –أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)- فلقد تفاجأ هذا الشيخ الصعيدي على الميناء بوجود شيخ هندي من مشايخ مدينة “كلكتا” وشيخ أمازيغي من مشايخ “القيروان” في تونس وشيخ صيني من تركستان الشرقية وشيخ من مسلمي روسيا. كل هؤلاء جاءوا مثله على نفقتهم الخاصة ليجدوا أن الخليفة العثماني (عبد الحميد الثاني) كان قد أرسل وفدًا كبيرًا من العلماء الأتراك. ليجتمع أولئك الدعاة جميعا ويكونوا وفدًا إسلاميًا ضخمًا مكونًا من مسلمين من أقطار مختلفة. وبدأت جلسات مؤتمر الأديان، وتكلم أصحاب كل دين عن دينهم، حتى جاء الدور على الوفد المسلم، فشرح الوفد المسلم لليابانيين تعاليم الدين الحنيف. وأوجزوا فى شرح الإسلام بشكل يسمح لليابانيين فهمه بشكل مبسط. وتم عقد أكثر من جلسة فى هذا المؤتمر،أعلن بعدها الإمبراطور شكره لكل الوفود. وأعلن لهم أن حرية الدين مكفولة في اليابان. فمن شاء من اليابانيين اتباع أي دين فهو حر فى اختياره ،فخرج الجرجاوي رحمه الله إلى شوارع طوكيو برفقة الوفد المسلم ومعهم الترجمان، ليُسلم على أيديهم آلاف اليابانيين، ويصف الجرجاوي ما قاموا به في اليابان فى كتابه (الرحلة اليابانية) قائلاً:

“فلو كان المسلمون أرسلوا وفودهم إلى اليابان قبل هذا الأوان واستعملوا هذه الطريقة التى استعملناها لكان عددهم الآن يعدون بالملايين لا بالألوف،أما الذين اعتنقوا الإسلام على أيدينا فبلغ عددهم نحو الاثني عشر ألفًا”.

وما بين عامَيْ 1923 إلى 1952م، هاجرت مجموعات من المسلمين التتار من آسيا الوسطى إلى اليابان واستقرت في مناطق طوكيو وكوبيه وناغويا، كما أقام عدد من المسلمين الهنود في مدينة كوبيه. وفي عام 1956 قدم إلى اليابان أفراد من جماعة التبليغ في باكستان وكانت لهم جهود كبيرة في نشر الإسلام في اليابان. وفي تلك الأثناء عاد إلى اليابان عدد من اليابانيين الذين أسلموا في مناطق جنوب شرق آسيا والصين. في حين استمر توافد جماعة التبليغ إلى اليابان بشكل دوري. وفي أواخر الخمسينيات من القرن الماضي بدأ توافد الطلبة المسلمين من مختلف البلدان الإسلامية للدراسة في الجامعات اليابانية. وقام عدد منهم في عام 1960 بتأسيس «جمعية الطلبة المسلمين» وفي عام 1974 تم تأسيس المركز الإسلامي.

   أما بالنسبة إلى المعهد العربي الإسلامي فى طوكيو، فقد تم افتتاحه عام 1982 لاستقبال الطلاب اليابانيين لإشباع      رغبتهم فى تعلم اللغة العربية والتعرف على ثقافتها وعلومها. وقد كان هذا المعهد يمثل هدية من المملكة العربية السعودية للشعب الياباني عامة وخدمة للمسلمين خاصة.وتم تكليف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالإشراف الإداري والعلمي عليه،وهى إحدى الجامعات الحكومية العريقة ذات السمعة الأكاديمية العالمية.ولها العديد من الفروع داخل المملكة وخارجها في آسيا وأفريقيا وأمريكا.

وقد أنشئ المعهد على أرض السفارة السعودية القديمة فى منطقة (ميناتوكوموتو آزابو)على مساحة قدرها 1398 مترا مربعًا بتكلفة سبعة وعشرين مليون ريال سعودي، ونُفذ على طراز عمراني مميز.

وقد تم تجهيز المعهد بالمعامل الصوتية  والأثاث المكتبي والتعليمي على أحدث المواصفات.كما يحظى المعهد بهيئة تدريس مؤهلة ومتخصصة فى تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. وبوصفها لغة أجنبية أو ثانية. يبلغ عدد الطلاب في الفصل الدراسى الواحد لجميع الدورات والبرامج أكثر من 260 طالبا وطالبة. وقد بلغ عدد خريجي البرامج الدراسية والدورات المصاحبة في المعهد حتى 2015 قرابة (2637) طالب طالبة.

وقد درج المعهد على إقامة نشاطات سنوية للطلاب الدارسين للغة العربية بمقره. مثل مسابقة اللغة العربية الكبرى (الأولمبياد)، وهي مسابقة سنوية تشمل مهارات اللغة العربية الأربع: المحادثة والاستماع والقراءة والكتابة بالإضافة إلى قواعد اللغة. كما تحرص إدارة المعهد على إقامة الأنشطة الطلابية المنبرية مشتملةً على الخطابة ، وقراءات شعرية وقصصية،ومشاهد تمثيلية قصيرة، وحوارات باللغة العربية الفصحى.

كما ينظم المعهد دورات فى تدريس جميع أنواع الخطوط العربية وجمالياتها للمبتدئين وحتى مراحل متقدمة منها، ويقوم بالتدريس فيها البروفسيور هوندا المتخصص فى الخط العربي. وتقام مسابقة سنوية للخط العربي يتنافس فيها الدارسون للخط العربي ويمنح الفائز فيها ميدالية تقديرية من المعهد ولوحة فنية من إنتاج البروفسور هوندا.

وقد قمت بزيارة مكتبة المعهد بالدور السفلي من المبنى الرئيسي. وهي زاخرة بأمهات المصادر والمراجع والكتب والدوريات المتخصصة في الثقافة الإسلامية والعربية وهي بثلاث لغات اللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة اليابانية إضافةً لترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية و اليابانية. وتتيح المكتبة نظام البحث الإلكتروني مما يسهل عملية البحث عن الكتب والمراجع. وقد أهداني القائمون على المكتبة مجموعة من الكتب  الإسلامية باللغة العربية والإنجليزية. 

وبجوار المكتبة  معرض تراثي مصغر وبديع. يروي تاريخ وتراث المملكة العربية السعودية. ويحتوي على العديد من الآثار والقطع النادرة من مختلف الأنواع مثل مجموعة من السيوف، والخناجر، وأنواع من السجاد والعبايات.

ويمكنك عزيزي القارىء التعرف أكثر على نشاطات المركز من خلال موقعه على الشبكة العنكبوتية (بالضغط هنا)  وقد قابلني بترحاب شديد المهندس فرات بن محمد بنتن مسؤول الشؤون الإدارية بالمعهد وقدم لي القهوة والتمر. ووعدني بزيارة معرض الأثار المصري ببرج موري. كما أهداني مجموعة قيمة من الكتب الدينية المترجمة إلى اللغة العربية. ولفت نظري وجود لافتة بالمكتب تحمل اسم السيد نايف سوزوكي مدير عام العلاقات العامة بالمعهد!

فاستفسرت منه عن صاحب الاسم ،فأخبرني أنه شاب ياباني شرح الله قلبه للإسلام، وعندما عرضنا عليه العديد من الأسماء العربية ،وقع إختياره على اسم نايف.

وبذلك أختم تجربتي الفريدة في اليابان والتي لا يمكن أن أنساها وأرجو أن تكونوا قد استمتعتم بالاطلاع على العديد من الجوانب التي قمت بطرحها في هذه الزيارة.

الكاتب: الدكتور رضا محمد عبد الرحيم

د.رضا محمد عبدالرحيم
د.رضا محمد عبدالرحيم

باحث بوزارة الآثار المصرية وحاصل على الماجستير في الآثار، مؤلف كتاب (أيام في طوكيو)، وعضوًا عاملاً في اتحاد كتاب مصر، والجمعية المصرية للدراسات التاريخية.

انضم الآن مجاناً لتصبح عضواً متميزاً في مجلة اليابان للحصول على آخر المستجدات والأخبار من الموقع مع العديد من العروض والمفاجآت! (اضغط هنا)

تعليق واحد

اكتب تعليقًا