واقع اللجوء في اليابان مع الشاب السوري جمال

” لقد بدأت هنا، لذلك لا يمكنني البدء من الصفر مجدداً .. سأبني مستقبلي هنا .. ” – جمال، دمشق

من أبرز الكلمات التي تم اقتباسها من الشاب الدمشقي الطموح الذي أرغمته مرارة الحرب على الابتعاد عن الشام،  إنها الظروف التي أذاقت الملايين من السوريين ويلات التشرد و الظلم و الخذلان من الكثير؛ إن لم نقل الجميع!




يحلم الكثير بزيارة اليابان أو الإقامة فيها بأي شكل من الأشكال حتى لو تطلب ذلك اللجوء فيها؛ ويرسم بعض ضعاف النفوس – من أجل مصالحهم الشخصية – أحلاماً زمردية في مخيلة من يحتاجون للأمن والأمان والرعاية فراراً من جحيم الحرب ليصدم الكثير ممن تقدموا بطلبات اللجوء في اليابان بالواقع الاجتماعي والصعوبات التي يعانون منها لاسيما في الفترة الأولى عند التقدم بطلب اللجوء. بل قد يعاني المتقدم بطلب اللجوء من تمييز عنصري في بعض الأحيان. قد يصدم منه البعض ليلوموا كل اليابانيين جراء موقف كهذا، لكن وجب التنويه بأن المجتمع الياباني كسائر المجتمعات فيه الصالح والطالح، ولا يوجد شعب كامل وليس الجميع ملائكة وللتوضيح أكثر؛ سنتطرق إلى حديث الشاب السوري جمال عن تجربته مع تقديم طلب اللجوء.

لقد تحدث الشاب السوري جمال خلال مؤتمر في طوكيو بالعام الماضي عن اللجوء في اليابان وعن الصعوبات التي واجهها وهو أحد اللاجئين السوريين الأوائل الذين وصلوا لليابان في عام 2013. و أكد جمال خلال حديثه عن أوضاع اللاجئين في طوكيو بأن فترة الستة أشهر الأولى هي الأكثر صعوبةً في اليابان لأن خلال هذه الفترة لا يمكن الحصول على أي شيء، ولا يمكن فتح حساب بنكي أو حتى الحصول على هاتف نقال! كما أكد جمال أنه يتمنى أن تغير اليابان حيثيات ومقتضيات هذه الفترة.

خدمات الإعلان في مجلة اليابان
خدمات مجلة اليابان للترويج والحملات الإعلانية (اضغط هنا)

و تعتبر اليابان بأنها من إحدى الدول الأقل ترحيباً باللاجئين حيث تم قبول طلب 27 متقدم بطلب اللجوء إلى اليابان من أصل 7586 متقدم في عام 2015. و حتى بعد الوصول إلى اليابان فإن طالب اللجوء ممنوعاً من مزاولة أي عمل لمدة ستة أشهر على الأقل. ويعيش نحو 400 سوري في اليابان، وذلك يشمل نحو ستين منهم من الذين تقدموا رسمياً بطلب اللجوء وذلك بحسب الاتحاد الياباني للاجئين.

و تعترف اليابان بحق اللجوء للسوريين غالباً على اعتبارات إنسانية لتسمح لهم بالإقامة مؤقتاً، لكن من يُسمح له باللجوء في اليابان لا يمكنه إجراء لم شمل لأفراد عائلته ولا يمكنه الاستفادة من أية معونات مثل المعونات المقدمة لتعليم اللغة اليابانية والتي تعد حاجة أساسية ملحة لتساعد اللاجئين بالبدء في حياة جديدة باليابان. وقد عانى السيد جمال من أوضاع اللجوء في اليابان كثيراً، فبعد تدمير منزله في سوريا؛ اتخذ القرار الأصعب بحياته وذلك بمغادرة سوريا مع والدته و شقيقته إلى اليابان بعام 2013 وذلك لأن عمه يعيش مع زوجته اليابانية في اليابان.



وقد أجبرت الظروف الشاب جمال على العمل بشكل غير قانوني في مجال العمل بالهدم. علماً أن جمال قد درس الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق. وعلى الرغم من كل هذا فإنه اضطر للانخراط بهذا العمل الصعب ولا يملك المال الكافي لشراء معدات السلامة و الوقاية من مخاطر هذا العمل، لذلك كان يعود كل يوم من عمله و هو مصاب بخدوش أو جروح جراء هذا العمل واضطر جمال إلى تجاهل كل ذلك ومواصلة العمل و قد أصيب بالكزاز و كاد أن يفقد إحدى ساقيه.

بعد حصوله على الإذن و الموافقة على مزاولة العمل؛ بدأ جمال بالعمل في مقهى بطوكيو ثم كمدرس للغة الإنجليزية في روضة للأطفال و اضطر للعمل أحياناً لمدة 14 أو 15 ساعة في اليوم! وبعد نحو سنة و نصف من الانتظار، تم الاعتراف بحق اللجوء لجمال في عام 2014، وقد غير ذلك حياته بشكلٍ جذري. و بعد دعوة والده إلى اليابان؛ بدأ جمال بقضاء أوقات فراغه بممارسة هوايته المفضلة وهي كرة القدم و أصبح بإمكانه أخذ دروس باللغة اليابانية مدعومة من الحكومة.

و هو يسعى للتسجيل في جامعة يابانية لإكمال دراسته وكان جمال يحلم بالتخرج من الجامعة حينما كان في سوريا و أن يبني مستقبله فيها، و هو يحلم بأن يعيش الحياة ذاتها التي فقدها في سوريا و على الرغم من تيسير أموره مقارنةً بوضعه في السابق، أكد جمال بأنه لن يهدأ له بال بسبب الظروف و الأوضاع التي يمر بها أبناء بلده في سوريا و خارجها مؤكداً بأنه لا يمكن الشعور بالسعادة و الارتياح في الوقت الذي يموت فيه أبناء البلد و يعانون من الظروف و الأوضاع التي آلت لخروج الكثيرين منها.

يشعر جمال أيضاً بالانزعاج كثيراً من التعليقات التي تظهر عدم تفهم الأوضاع الصعبة التي يواجهها اللاجئ السوري؛ فعندما ذكرت بعض المقالات أن جمال يعمل كمدرس للغة الإنجليزية في روضة من رياض الأطفال، البعض قال: ” لا تعلم أطفالنا الإرهاب وابتعد عن تدريسهم عاداتكم السيئة ” و البعض الآخر كتب تعليقات سيئة أكثر مثل : “أنتم تنتفعون من ضرائبنا لذلك عودوا إلى بلدكم نحن لا نريد اللاجئين في بلادنا “

و أكد جمال بأن كل معارفه من السوريين يعملون و يوفرون نفقاتهم المعيشية لأنفسهم و لأفراد عائلاتهم بدون أن يأخذوا أموالاً أو ينتفعوا من ضرائب أي شخص، و أضاف قائلاً: ” نحن هربنا من بلدنا بسبب الحرب، ليس لأننا فقراء أو لأننا لا نملك المال.” ، ” كنا نكافح و نناضل لنجعل الحياة في بلدنا أفضل “. على الرغم من المتاعب التي واجهها جمال في اليابان، إلا أنه يرى تحسناً في الأوضاع خاصةً بعد إعلان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عن نية اليابان استقبال نحو 150 سورياً ضمن باب التبادل الطلابي. “بينما لا يمكن مقارنة هذا الرقم بالأعداد الكبيرة التي تم استقبالها في بعض الدول الغربية، لكنها خطوة كبيرة بالنسبة لليابان ” على حد تعبير جمال.

عندما سُئل جمال: هل تعتقد بأن على اليابان استقبال المزيد من اللاجئين ؟ قال جمال بأنه لا يريد الجواب بنعم أو لا، و ذلك نظراً للأوضاع و المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية التي يجب أن تتجاوزها اليابان. لكنه يتمنى دوماً – على الأقل – بأن تقبل السلطات اليابانية طلبات اللجوء لدى السوريين معللاً بأنه يبلغ عددهم نحو 500 ممن يعيشون في اليابان و ينتظرون البت في أوضاعهم و يعتقد جمال بأن هذا العدد بسيط ولا يشكل مشكلة كبيرة لدى الحكومة اليابانية.

في النهاية لا يسعنا إلا أن نتمنى لعزيزنا جمال كل التوفيق و النجاح في كل ما يتمناه و أن يبني مستقبلاً باهراً يضمن راحة باله مع أسرته و له منا أطيب التحيات

المصدر:

The Japan Times

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *