كيف كشف تفشي كورونا الجديد عن نقاط ضعف اليابان في مجال الاختبارات

أدى تفشي فيروس كورونا الجديد حول العالم إلى الكشف عن نقاط ضعف عديدة في أنظمة الرعاية الصحية أو البنى التحتية لدى الدول المتقدمة. وبالنسبة لليابان فإن نقطة الضعف الأكبر تكمن في مجال الاختبارات اليومية التي تُجرى للكشف عن فيروس كورونا الجديد (كوفيد – 19)، بالرغم من النجاح الجدلي الذي لاقته التجربة اليابانية في مواجهة الأزمة، وتدني أعداد الإصابات بالمقارنة مع الدول الأوروبية وغيرها.




نقاط ضعف خفية

سجلت اليابان 21,000 إصابة بفيروس كورونا الجديد و 995 وفاة حتى الـ10 من يوليو/تموز وهو رقم متدني حتماً مقارنةً بدول أخرى. ولكن عند النظر عن كثب لإجمالي عدد الاختبارات التي أجريت للكشف عن كورونا الجديد في اليابان منذ بدء الوباء، سنجد بأنه يبلغ نحو 540,000 اختبار حتى الـ10 من يوليو/تموز وفق وزارة الصحة اليابانية، وهو رقم ضئيل جداً مقارنةً بعدد سكان اليابان الذي يبلغ 126 مليون نسمة.

وعند وضع هذا الرقم بجانب دول أخرى، سنجد أن الولايات المتحدة – على سبيل المثال لا الحصر – أجرت نحو 40 مليون اختبار للكشف عن الفيروس (وفق إحصاءات جامعة جونز هوبكنز الأمريكية)، وأجرت الدول الأصغر كمثل كوريا الجنوبية نحو 1.3 مليون اختبار منذ أن بدأ التفشي الانفجاري فيها. ولا يتطلب الأمر الكثير من التفكير ليدرك الفرد بأن هذه الأرقام تمثل معضلةً بالنسبة لليابان!

وفي حال تناولنا الأرقام من وجهة نظر مختلفة، فستكون النتيجة واحدة: حيث تجري اليابان كمعدل اختبارات من نوع “PCR” للكشف عن فيروس كورونا لـ5 أشخاص فقط من بين كل 1,000 فرد، وهو معدل منخفض جداً مقارنةً مع الولايات المتحدة والتي تجري كمعدل اختبارات لـ97 شخصاً من بين كل 1,000 فرد، وإيطاليا التي تُجري اختبارات لـ89 شخصاً من بين كل 1,000 فرد، وكوريا الجنوبية التي تُجري 24 وغيرها الكثير من الأمثلة.

معدل كشوفات “PCR” من بين كل 1000  فرد مقارنةً باليابان |  إعداد مجلة اليابان
معدل كشوفات “PCR” من بين كل 1000  فرد مقارنةً باليابان |  إعداد مجلة اليابان

حيث ما زالت السلطات الصحية في اليابان تصارع لزيادة معدلات الاختبارات اليومية بالرغم من امتلاكها لسعة تبلغ 30 ألف اختبار يومي وإجراءاها لعدد يتراوح بين 5 آلاف و 8 آلاف اختبار يومياً. وكشف تفشي فيروس كورونا الجديد عن نقاط ضعف خفية في نظام الاختبارات اليومية التي تُجرى للكشف عن الفيروس في البلاد خلال إعلان حالة الطوارئ في شهري أبريل/نيسان و مايو/أيار.

وبسبب هذا الضعف، أجبر آلاف الناس من اليابانيين والأجانب على الانتظار لأيام عديدة من أجل إجراء اختبار “تفاعل البلمرة المتسلسل” أو كما يُعرف “PCR” وهو الاختبار المعتمد عالمياً للكشف عن كورونا الجديد. بالإضافة لسياسة الحكومة اليابانية المعقدة آنذاك (تغيرت حالياً) والتي فرضت على الأفراد الانتظار (عبر تعقيد شروط الاختبارات) خوفاً من اكتظاظ المستشفيات بالمرضى. ولكي نعرف السبب وراء نقاط الضعف هذه علينا الغوص أكثر والعودة بنحو 17 عاماً إلى الماضي.

الدرس الذي لم تتعلمه اليابان

كانت لدى العديد من الدول الآسيوية البنى التحتية المناسبة لمواجهة فيروس كورونا الجديد بسبب مواجهتها سابقاً لتفشي فيروس “السارس – SARS – المتلازمة التنفسية الحادَّة الشديدة” الذي بدأ بالتفشي من الصين كذلك بين 2003 وحتى 2005.

ويُشابه فيروس السارس، فيروس كورونا الجديد من حيث البُنية وهو من نفس العائلة الفيروسية. لذلك كانت لدى العديد من الدول الآسيوية، ككوريا الجنوبية، سنغافورة وغيرها، البنى التحتية والخبرة المناسبة لمواجهة الأزمة الجديدة. ولكن اليابان لم تشهد العديد من الإصابات بفيروس السارس آنذاك، وكان الشعور السائد هو بأن الشعب الياباني لن يُعاني ما عانته الدول المجاورة.

وبسبب هذا الأمر، لم تتعلم اليابان الدرس من تفشي فيروس السارس الفتاك، ولم تُقوي بنيتها التحتية في العديد من المحافظات اليابانية وبالأخص البنى التحتية المرتبطة بإجراء الاختبارات اليومية للكشف عن عائلة فيروسات كورونا.

وكشفت بيانات جديدة من الحكومة اليابانية بأن الأسباب وراء هذا الضعف تكمن في: قلة الوعي الحكومي تجاه الأزمة – اعتقاد خاطئ بأن الإصابات في اليابان لن تشهد ارتفاعاً انفجارياً كما حدث في الدول الأخرى – قلة الأيدي العاملة في قطاع الرعاية الصحي – عدم جاهزية العديد من المحافظات لمواجهة الفيروس – وعدم تعلم اليابان الدرس من مواجهة فيروس السارس في عام 2003.

فالدرس الذي تعلمته العديد من الدول الآسيوية قبل 17 عاماً، فات على اليابان التي كانت حكومتها متغيبةً عن ذلك الفصل المهم. ولكن مع ذلك، حظت البلاد بتجربةً ناجحة في مواجهة فيروس كورونا الجديد بفضل وعي الشعب المرتفع والذي ساهم في احتواء الإصابات بشكلٍ كبير. ومع اقتراب الموجة الثانية من الإصابات، تسعى الحكومة اليابانية بمساعدة لجنة من الخبراء إلى احتواء الموجة الثانية كذلك، والتركيز على علاج نقاط الضعف التي ذُكرت سابقاً.

الموجة الثانية والجهود القادمة

بعد أن واجهت اليابان الموجة الأولى من الإصابات بنجاح، رُفعت حالة الطوارئ في الـ25 من مايو/أيار. وشهدت الإصابات تراجعاً مستمراً حتى بداية شهر يوليو/تموز 2020. حيث بدأت الإصابات بالارتفاع بشكلٍ كبير مجدداً في طوكيو والمحافظات المجاورة، مما يدل على أن الموجة الثانية من الإصابات أصبحت وشيكة بسبب تخفيف القيود، وعودة الحياة لطبيعتها بعد حالة الطوارئ.

ويقول الخبراء في اليابان، بأن السلطات الصحية تحتاج أن تُجري 100 ألف اختبار يومي للكشف عن فيروس كورونا الجديد على الأقل، لمواجهة الموجة الثانية من الإصابات. وهو عدد مرتفع جداً عند النظر للسعة الحالية التي تمتلكها الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص والتي تتراوح بين 20 وحتى 30 ألف اختبار يومي فقط.

وقال “شيغيرو أومي” وهو خبير في لجنة خبراء عينتها الحكومة اليابانية لمواجهة أزمة كورونا الجديد في البلاد: “لم تكتسب النقاشات الرامية لتوسيع سعة الاختبارات اليابانية زخماً” متحدثاً عن حاجة الحكومة اليابانية والمراكز الخاصة إلى زيادة السعة اليومية بمعدل كبير لمواجهة الموجة الثانية من الإصابات.

ومن المتوقع أن تعتمد الحكومة اليابانية على القطاع الخاص بشكلٍ كبير، وعلى وجه الخصوص الجامعات اليابانية والمعاهد البحثية لزيادة معدلات الاختبارات اليومية إلى أكثر من 30 ألف اختبار. كما تعتزم الشركات الخاصة، طرح عُدد اختبارات سريعة لزيادة المعدل بشكلٍ كبير دون الاعتماد على اختبار “PCR” والذي يأخذ الكثير من الوقت ليعطي نتائج نهائية.

ومن الجدير بالذكر، أن السر وراء النجاح الجدلي للتجربة اليابانية في مواجهة الموجة الأولى من الإصابات، يكمن في عدة عوامل، أولها: وعي الشعب والتزامه بالتعليمات الحكومية – انتشار ثقافة ارتداء الكمامات والأقنعة حتى قبيل الجائحة العالمية – بقاء شريحة كبيرة من الناس في منازلهم. وربما ستلعب هذه العوامل دوراً مجدداً عند مواجهة الموجة الثانية من الإصابات، بالرغم من نقاط الضعف العديدة في النظام الياباني المعني بمواجهة الأزمة.


انضم الآن مجاناً لتصبح عضواً متميزاً في مجلة اليابان للحصول على آخر المستجدات والأخبار من الموقع مع العديد من العروض والمفاجآت! (اضغط هنا)


قصة مرتبطة:
بعد انتقادات واسعة، الحكومة اليابانية تسهل شروط الكشف عن فيروس كورونا 

بعد انتقادات واسعة، الحكومة اليابانية تسهل شروط الكشف عن فيروس كورونا
بعد انتقادات واسعة، الحكومة اليابانية تسهل شروط الكشف عن فيروس كورونا

دورات تعلم اللغة اليابانية في قلب العاصمة طوكيو، للمزيد من المعلومات لا تترددوا بمراسلتنا عبر صفحتنا على فيسبوك
دورات تعلم اللغة اليابانية في قلب العاصمة طوكيو، للمزيد من المعلومات لا تترددوا بمراسلتنا عبر صفحتنا على فيسبوك

المصادر: وزارة الصحة اليابانية – جامعة جونز هوبكنز الأمريكية – وكالة كيودو اليابانية – الحكومة اليابانية ولجنة الخبراء المعنية بمواجهة الأزمة – وكالة جيجي برس اليابانية – صحيفة “Japan Times” اليابانية
صورة المقال الأصلية: رئيس الوزراء الياباني شينزو آبيه في مايو/أيار | عبر رويترز

9 ردود على “كيف كشف تفشي كورونا الجديد عن نقاط ضعف اليابان في مجال الاختبارات”

  1. لابد من ان اليابان ستسعى لتلافي هذا الامر .
    وستجري المزيد من الفحوصات وفي نفس الوقت اجرت وتجري اليابان الكثير من الابحاث لاكتشاف علاج ومصل لهذا الوباء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *