المتحف المصري الكبير (GEM) بالقرب من القاهرة، يضم ما يقرب من 50000 قطعة أثرية، بجانب قناع توت عنخ أمون الذهبي الشهير، ليصبح بذلك أكبر متحف مكرّس لحضارة واحدة في العالم. حيث قدّمت وكالة التعاون الدولي اليابانية (جايكا) الدعم للمشروع وبلغت إجمالي القروض اليابانية أكثر من 84 مليار ين. فما قصة المتحف المصري الكبير؟ وما الرابط بينه وبين اليابان؟
المتحف المصري الكبير، هدية مصر للعالم
جاء مشروع المتحف المصري الكبير (GEM) كخطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز حفظ وترميم التراث المصري وتحديث أساليب عرضه والبحث فيه. خاصة وأن موقعه الحالي يعود إلى عام 1902.
ويقع المتحف الجديد في منطقة الجيزة، على بعد نحو 15 كيلومترًا جنوب غرب القاهرة، بجوار أهرامات الجيزة الشهيرة. مما يمنحه موقعًا استثنائيًا يجمع بين عراقة الماضي وحداثة الحاضر، حيث كان حفل الافتتاح الرسمي في الأول من نوفمبر بحضور وفود دولية من مختلف أنحاء العالم إلى مصر.
بمساحة تصل إلى 50 ألف متر – أي أكبر من قبة طوكيو – تحتوي القاعات الرئيسية الـ12 للمتحف على حوالي 50000 قطعة أثرية. كما تم نقل القناع الذهبي الشهير لتوت عنخ آمون – أحد أبرز رموز الحضارة المصرية القديمة – من موقع عرضه المعروف سابقا في وسط العاصمة المصرية القاهرة إلى المتحف المصري الكبير، ليصبح جزءًا من معروضاته الدائمة. كما سيتمكن الزوّار من متابعة عمليات ترميم القارب الخشبي الثاني للملك خوفو، الذي بني قبل نحو 4600 عام، في مشروع يقوده فريق مصري ياباني برئاسة البروفيسور ساكوجي يوشيمورا، رئيس جامعة توهوكو الدولية.
وتبلغ المساحة الإجمالية للمتحف (بما في ذلك المباني الملحقة والحدائق والمرافق ومركز الترميم) نحو 500 ألف متر مربع. أما إجمالي القطع الأثرية (بما في ذلك المتوفرة بالمخازن والخاضعة للترميم) أكثر من 100 ألف قطعة أثرية وفقا للمعلومات الواردة في الموقع الرسمي للمتحف المصري الكبير.

وكان المتحف قد افتتح جزئيًا في شهر أكتوبر 2025. حيث عرضت أكثر من 10 آلاف قطعة أثرية تمثل حقبًا وسلالات مختلفة من تاريخ مصر القديم. وأول ما يجذب انتباه الزوار عند دخولهم المتحف هو التمثال الضخم للفرعون رمسيس الثاني، الملقب بـ”الأعظم”. ويبلغ ارتفاعه 11 مترًا، ويحرص الزوار على التقاط الصور التذكارية أمامه. ورغم أن العديد من القطع الخاصة برمسيس الثاني كانت معروضة سابقًا. إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تعرض فيها مقتنيات توت عنخ آمون للجمهور بهذا الحجم منذ اكتشاف مقبرته عام 1922. إلى جانب مجموعة الملكة حتب حرس، والدة الملك خوفو. وكذلك متحف مراكب الملك خوفو، فضلًا عن مقتنيات أثرية تغطي مختلف الحقب من عصر ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني.
مساهمات يابانية على أراضي مصرية
جاءت فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير استجابة لتدهور أوضاع المتحف القديم في وسط القاهرة. ونظرًا لأن السياحة تعد من أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر، فإن الافتتاح الكامل للمتحف يتوقع أن يساهم في إنعاش القطاع السياحي والاقتصادي. حيث يأتي افتتاح المتحف في وقت يمر فيه الاقتصاد المصري بمرحلة ركود نتيجة تداعيات جائحة كوفيد-19، والغزو الروسي لأوكرانيا، والقتال الدائر في قطاع غزة المجاور منذ أكتوبر 2023.
اقرأ أيضا: نظرة شاملة على العلاقات الثنائية بين اليابان وفلسطين
وفي سياق متصل، تحدّث البروفيسور كوروكاوا هيروماسا، المشرف الميداني على مشروع ترميم مركب خوفو الثانية من جامعة توهوكو الدولية، في مقابلة مع صحيفة سانكي شيمبون عن أهمية المتحف. مؤكدًا أنه يضم قطعًا أثرية وبقايا فريدة لا مثيل لها في أي مكان آخر في العالم.

يمثل المتحف المصري الكبير أيضًا رمزًا للتعاون الطويل بين مصر واليابان، حيث قدّمت جايكا قرضين للمساعدة الإنمائية الرسمية في عامي 2008 و2016 بإجمالي قدره 84.2 مليار ين ياباني (حوالي 800 مليون دولار أمريكي)، خصصت لبناء المتحف وتجهيز معارضه. إلى جانب تطوير البنية التحتية للمعلومات والاتصالات، وتقديم الخدمات الاستشارية التي شملت الإشراف على أعمال البناء وتسهيل المشتريات. إلى جانب تعاون فني شامل في مجالات متعددة تشمل:
- حفظ وترميم وتعبئة ونقل القطع الأثرية في مركز الترميم بالمتحف المصري الكبير (GEM-CC).
- إدارة وتشغيل المتحف والمعارض، استعدادًا لافتتاحه الكامل.
- مشروع التنقيب عن مركب خوفو الثاني، أو ما يعرف بـ«مركب الشمس»، والذي من المنتظر أن يكون من أبرز معروضات المتحف.
جهود اليابان في ترميم التحف الفرعونية “مركز ترميم المتحف المصري الكبير (GEM-CC)”
يهدف المركز إلى أن يصبح مؤسسة عالمية رائدة في مجال الترميم والبحث في علم المصريات. مع الالتزام بالمعايير الدولية في التدريب والتطبيق. كما يسهم في تطوير مهارات المرممين المصريين وتبادل الخبرات مع نظرائهم من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
يحتوي المتحف على عدد كبير من القطع المخصصة للدراسة والبحث. ومنذ يونيو 2010، يجري نقل هذه القطع إلى مركز الترميم بالمتحف المصري الكبير. الذي يعد من أحدث مراكز الترميم في الشرق الأوسط.
وقد ركزت المرحلة الأولى (يونيو 2008 – يونيو 2011) – (المرحلة التحضيرية) على محورين رئيسيين:
1- تطوير قاعدة بيانات القطع الأثرية (ADD)، من خلال فريق مشروع مصري بدعم من جايكا، لتحديث البيانات بدقة وتفصيل أكبر وتحسين كفاءة العمل المؤسسي.
2- بناء قدرات المحافظين بالتعاون مع المعهد الوطني لبحوث الممتلكات الثقافية بطوكيو، عبر برامج وورش عمل تدريبية في مصر واليابان.
أما المرحلة الثانية (يوليو 2011 – مارس 2016) قد كانت مرحلة التدريب، حيث تضمنت تقديم برامج تدريبية مكثفة من قبل خبراء يابانيين لتأهيل المرممين المصريين، وتحويل مركز الترميم إلى معهد إقليمي رائد في مجال الحفظ الأثري. أجريت أكثر من 100 دورة تدريبية شارك فيها 2250 مختصًا.

ثم تأتي المرحلة الثالثة (نوفمبر 2016 – حتى الآن)، وهي مرحلة الحفظ المشترك، يتم بها توسيع التعاون بين جايكا والمتحف المصري الكبير ليشمل مشروعات ترميم مشتركة لعدد من القطع المختارة (72 قطعة أثرية) من مواد مختلفة كالأخشاب والنسيج والأحجار واللوحات الجدارية. ومن أبرز هذه القطع سرير الملك توت عنخ آمون الذهبي، وعرباته الملكية، وملابسه وقفازاته.
ومنذ ديسمبر 2013، تدعم جايكا بالتعاون مع معهد المركب الشمسي في طوكيو أعمال التنقيب والترميم والقياس والمسح لمركب خوفو الثاني. الذي اكتشفه فريق الآثار الياباني بقيادة البروفيسور ساكوجي يوشيمورا عام 1987. ومن المتوقع أن يصبح هذا المركب أحد أهم معروضات المتحف المصري الكبير بعد استكمال ترميمه.

دعم ياباني إداري للمتحف المصري “مشروع تنمية القدرات لإدارة وعرض المتحف العالمي للآثار (GEM-CD)”
بدأ هذا المشروع في أبريل 2016 بالتعاون بين جايكا ووزارة الآثار المصرية. ويهدف إلى تطوير نظام إدارة وتشغيل مستدام للمتحف عبر تدريب العاملين في مجالات إدارة المتاحف، والعرض، والتعليم، وتكنولوجيا المعلومات، والنقل.
اقرأ أيضاً: نظرة شاملة على العلاقات الثنائية بين مصر واليابان
يذكر أن اليابان قد شاركت في حفل افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر 2025، في مشهد عابر للقارات بملابس فرعونية على أراضي يابانية وسط معابد الشينتو والطبول ذات الأصل الياباني. مما يعبر عن التبادل الثقافي وقوة العلاقات المصرية اليابانية.

إعداد و تقديم جنة الجندي لمزيد من المحتوى المقدم من الكاتبة، بالإمكان متابعة صفحتها الخاصة عبر فيسبوك.