شهدت العلاقات بين اليابان وإسرائيل منحنى تصاعدياً ملحوظاً على مدى العقود الثلاثة الماضية، مدفوعةً بالشراكة الإستراتيجية الوثيقة التي تجمع كلا البلدين مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد تبلور هذا المسار في مواقف يابانية لافتة تزامنت مع بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة، في حين تعاونهما في عدة مجالات، فكيف كانت العلاقة بين البلدين على مدار التاريخ؟
نشأة علاقة رسمية بين البلدين
شهدت العلاقات بين طوكيو وتل أبيب تطوراً مطرداً منذ التأسيس، وتُرجم ذلك في زيارات متبادلة رفيعة المستوى شملت رؤساء وزراء، وتوسعت لتشمل أبعاداً إقليمية لدعم عملية السلام، حيث بدأت العلاقات عام 1952، عندما اعترفت اليابان بإسرائيل. ثم اُفتتحت السفارة الإسرائيلية في طوكيو، ثم يعقبها افتتاح السفارة اليابانية في تل أبيب.
اقرأ أيضا: نظرة شاملة على العلاقات اليابانية الفلسطينية
مرحلة التباعد الدبلوماسي
عقب وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، صاغت طوكيو استراتيجيتها السياسية مرتكزةً على تمتين روابطها مع واشنطن، بهدف الاحتماء بالمظلة الأمريكية من خطر القدرات النووية لجيرانها في الاتحاد السوفيتي والصين. وهنا وظفت اليابان برنامج المنح والمساعدات الخارجية كأداة دبلوماسية تجاه البلدان ذات الأهمية القصوى لضمان تدفقات النفط وتأمين مصادر الطاقة. هذه المقاربة الاستراتيجية دفعت العاصمة اليابانية نحو التقارب خطوة واسعة مع المنظومة العربية، التي كانت تخوض وقتها صراعاً وعداءً مباشراً مع إسرائيل.
في تلك الحقبة، افتقرت إسرائيل للمقومات الاقتصادية أو السياسية التي تجذب الجانب الياباني؛ إذ عانى اقتصادها من صغر حجم السوق الاستهلاكية وشح الموارد الأولية. إلى بجانب عجزها المالي عن شراء المنتجات اليابانية عالية التكلفة. مثل المركبات، والسفن، والتقنيات الإلكترونية. وبناءً على ذلك، رأت طوكيو في بناء جسور دبلوماسية مع تل أبيب مجازفةً سياسية غير مأمونة العواقب وخالية من أي مكاسب فعلية.
محددات السياسة الخارجية لكلا الطرفين
- الجانب الياباني: تبنت طوكيو مقاربة دبلوماسية ترتكز على تعزيز الاستقرار الإقليمي، امتثالاً للمحددات الدستورية اليابانية التي تحظر بشكل قاطع استخدام القدرات العسكرية كأداة لتسوية النزاعات الدولية.
- الجانب الإسرائيلي: في المقابل، انخرطت تل أبيب في صراعات مسلحة وحروب متعددة، ووجهت ثقلها الدبلوماسي نحو توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، مستبعدةً من أولوياتها بناء روابط وثيقة مع دول القارة الآسيوية، نظراً للموقف العام لهذه الدول المؤيد للمطالب الفلسطينية.
ونتيجة لهذا التباين الجذري في المصالح الأمنية والتوجهات الإستراتيجية، تأخر افتتاح السفارة اليابانية في تل أبيب رسمياً حتى عام 1963، كما واظبت طوكيو على التصويت الممنهج لصالح القضية الفلسطينية وضد المواقف الإسرائيلية في المحافل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة.
المتغيرات الجيوسياسية ومحطات التحول الدبلوماسي:
شكّل انقضاء حقبة الحرب الباردة وانعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات. حيث أسهم هذا الحدث في فتح آفاق تدريجية للتطبيع العربي الإسرائيلي. وبدء تحسن روابط تل أبيب مع دول الخليج العربي المنتجة للنفط. مما أدى إلى إزالة الهواجس السياسية لدى طوكيو بشأن احتمالية تضرر مصالحها الحيوية مع المنظومة العربية.
وقد اقترن هذا التحول الهيكلي بعدد من المحطات الدبلوماسية البارزة:
- عام 1988: سجّل وزير الخارجية الياباني “أونو سوسوكي” زيارة تاريخية إلى إسرائيل كأول مسؤول ياباني رفيع المستوى. وقد خصص ثلث مدة الزيارة لتفقد مخيم للاجئين الفلسطينيين.
- عام 1992: أدى التدشين الرسمي للعلاقات الدبلوماسية بين بكين وتل أبيب إلى تحفيز طوكيو لتكثيف حراكها الدبلوماسي. رغبةً في مواكبة الانفتاح الدولي للصين. والذي تصنفه النخب السياسية اليابانية كتحدٍ مباشر للأمن والمصالح الوطنية لبلادهم.
التآزر الاقتصادي والتكنولوجي
شهدت الفترة الممتدة من أواخر ثمانينيات القرن الماضي وحتى عام 2010 تحولاً جذرياً في بنية الاقتصاد الياباني. فبفعل التداعيات الناجمة عن صدمات أسعار النفط، انتقل ثقل الأنشطة الإنتاجية في طوكيو من قطاع الصناعات الثقيلة إلى مجالات تعتمد على المعرفة والخدمات، وفي مقدمتها القطاع المالي، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، وصناعة رقائق الحاسوب.
وقد تقاطعت هذه التحولات زمنياً مع طفرة تقنية ومعرفية واسعة النطاق في إسرائيل، لتحتل المرتبة الثانية عالمياً في مجال الأمن السيبراني خلف الولايات المتحدة الأمريكية. فضلاً عن تحقيق ريادة متقدمة في تقنيات تحلية المياه، وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، وتطوير أنظمة الري بالتنقيط المحوسبة. كما تعززت مكانتها الاقتصادية بالتحول إلى دولة مصدرة للطاقة في أعقاب اكتشاف مكامن الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط عام 2009.
وقد أفضى هذا التقاطع والتناغم الاستراتيجي إلى تعميق الروابط الاستثمارية والتبادل التجاري بين الجانبين بمستويات غير مسبوقة. مما مهد الأرضية القانونية لتوقيع حزمة من الاتفاقيات الثنائية الحيوية، أبرزها: اتفاقية التعاون المشترك في مجالات العلوم والتكنولوجيا، واتفاقية تنظيم الخدمات الجوية، بالإضافة إلى إبرام الترتيبات المنظمة للشؤون الثقافية والتعليمية.
القرن الحادي والعشرين: شراكات ثنائية متقدمة
مع مطلع القرن الحالي، تلاقت المصالح الأمنية والاقتصادية للبلدين بشكل أكبر. مع نية الطرفين في تنويع شبكاتهما التجارية وتحالفاتهما، مما أدى إلى قفزة نوعية في العلاقات منذ عام 2012 عبر توقيع اتفاقيات أمنية وتجارية متعددة.
التنسيق الأمني والسيبراني: دشّن الجانبان قنوات حوار رفيعة المستوى لمجابهة التهديدات الأمنية المشتركة. حيث تتركز مخاوف الإستراتيجية لطوكيو حول التجارب الصاروخية لكوريا الشمالية، في حين تتمحور المخاوف الأساسية لتل أبيب حول برنامج إيران الصاروخي.
الأطر القانونية والاتفاقيات الثنائية: تعززت العلاقات الاستراتيجية بتوقيع معاهدة للاستثمار المشترك عام 2016. تلاها إطلاق “شراكة الابتكار اليابانية الإسرائيلية” عام 2017، حيث تهدف إلى توسيع التعاون في الفضاء السيبراني ، فضلاً عن إبرام اتفاقية لتحرير وتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة.
التعاون العسكري: عقدت أعمال أول حوار سياسي عسكري ثنائي عام 2018، بهدف التباحث وتبادل الرؤى بشأن الأوضاع الإقليمية.
وقد واكب هذه الشراكات التكنولوجية والأمنية زخم دبلوماسي مكثف وملحوظ منذ مطلع القرن الحالي، تجسد في تبادل الزيارات بين قادة البلدين. وتأتي في مقدمتها زيارة رئيس الوزراء الياباني الأسبق “شينزو آبيه” إلى إسرائيل عامي (2015 و2018)، وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” إلى طوكيو عام (2014).

مؤشرات التبادل التجاري والشراكة الاقتصادية (وفقاً لبيانات عام 2023)
شهدت حركة التبادل التجاري بين الجانبين نمواً متوازناً وملحوظاً؛ حيث اقترب إجمالي القيمة الإجمالية للتجارة البينية من حاجز الـ 3 مليارات دولار، وتوزعت تدفقاتها على النحو التالي:
- الصادرات الإسرائيلية إلى الأسواق اليابانية: بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار أمريكي، وتتركز هيكليتها بالشكل الأساسي في قطاعات المعدات والأجهزة الكهربائية، والمستلزمات والأدوات العلمية والبصرية، بالإضافة إلى المنتجات الكيميائية.
- الواردات الإسرائيلية من الأسواق اليابانية: سجلت قيمتها 1.31 مليار دولار أمريكي، وتشمل قائمة السلع الموردة بصفة رئيسية آلات ومعدات النقل، والآلات العامة، إلى جانب المنتجات الكيميائية.
المقاربة الدبلوماسية والمواقف الرسمية لطوكيو إزاء حرب غزة
تبلورت التوجهات السياسية والإجراءات الرسمية الصادرة عن الحكومة اليابانية تجاه التطورات الأخيرة في قطاع غزة عبر عدة مسارات استراتيجية وميدانية:
- الإجراءات العقابية: أقرت وزارة الخارجية اليابانية حزمتين من العقوبات؛ استهدفت في حزمتها الأولى 9 أفراد بالإضافة إلى شركة صرافة تعمل داخل قطاع غزة، استناداً إلى اتهامهم بنشاطهم وتمويلهم لحركة المقاومة الإسلامية (حماس). في حين جاءت الحزمة الثانية في ديسمبر/كانون الأول 2023 لتشمل ثلاثة من عناصر الحركة، بدعوى ضلوعهم في هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي على مستوطنات غلاف غزة.
- التنسيق والعمل الدبلوماسي المتعدد: وتماهياً مع الرؤية السياسية للولايات المتحدة الأمريكية، ركزت الجهود الدبلوماسية لليابان على المطالبة بتبني هدن إنسانية مؤقتة، دون تبني الدعوة لإنهاء دائم للعمليات العسكرية ووقف إطلاق النار. وهو الموقف المعتمد الذي صِيغ في البيان الختامي المشترك لقمة مجموعة السبع (G7) الأخيرة التي انعقدت أعمالها في العاصمة طوكيو.
التبادل الثقافي والتفاعلي بين المواطنين
وفقًا لإحصائيات 2024، يقيم 1040 مواطناً يابانياً في إسرائيل ، مقابل 720 مواطناً إسرائيلياً يقيمون في اليابان (2023). أما التبادل التعليمي، فقد بدأ مشروع تبادل الشباب عام 1987، وتبعه برنامج دعوة شباب الشرق الأوسط، ليستضيف سنوياً من 5 إلى 8 شبان إسرائيليين. وفي عامي 1992-1993 نُظم مهرجان اليابان الثقافي، ليبدأ التبادل الفكري ثم يعقبه التبادل البحثي.
وبالنسبة للجوائز الفنية والعلمية، فقد مُنحت “جائزة اليابان” عام 1985 للرئيس الإسرائيلي السابق إفرايم كاتسير، كما نال العديد من العلماء اليابانيين (مثل كودايرا، هاياشي) “جائزة وولف” الإسرائيلية. وفازت قصص مصورة إسرائيلية بالجائزة الذهبية لجوائز المانغا الدولية اليابانية عامي 2015 و2019.
وقد تنوعت الفنون والفعاليات المشتركة، حيث قدمت أوركسترا إسرائيل الفيلهارمونية عروضاً في اليابان لمرات متعددة، وقام فريق مصارعة السومو “سادوغاتاكي ستيبل” بجولة في إسرائيل عام 2006.
وشهد عام 2012 احتفالية الذكرى الستين للعلاقات عبر تقديم مسرحية “نساء طروادة” المشتركة، تلاها “أسبوع القدس واليابان”، و”عطلة نهاية الأسبوع الثقافية الإسرائيلية في كيوتو” عام 2015.
وفي عام 1965، تأسست جمعية الصداقة اليابانية الإسرائيلية، ليتبعها تأسيس رابطة الصداقة البرلمانية، ثم غرفة التجارة المشتركة قبل حلول الألفينات.
أطر التبادل الثقافي، الأكاديمي، والروابط المجتمعية
تشير المؤشرات الديموغرافية والروابط المؤسسية إلى الوجود السكاني المتبادل: حيث أن عدد المواطنين اليابانيين المقيمين في إسرائيل بلغ 1040 مواطناً (وفقاً لبيانات عام 2024)، في حين استقر عدد المواطنين الإسرائيليين المقيمين في اليابان عند 720 مواطناً (وفقاً لبيانات عام 2023).
كما تدعمت العلاقات المؤسسية بتأسيس “جمعية الصداقة اليابانية الإسرائيلية” عام 1965، وتلاها تشكيل “رابطة الصداقة البرلمانية”، ثم أُسست “غرفة التجارة المشتركة”.
ثانياً: التبادل التعليمي، الفكري، والبحثي
انطلق مشروع تبادل الشباب الثنائي عام 1987، وأعقبه تدشين “برنامج دعوة شباب الشرق الأوسط”، الذي يختص باستضافة بعثات سنوية تضم ما بين 5 إلى 8 شبان إسرائيليين. كما تم تنظيم “مهرجان اليابان الثقافي” عامي 1992-1993، وتزامن ذلك مع إطلاق قنوات التبادل الفكري التي مهدت الطريق لاحقاً لبدء التبادل البحثي المشترك.

وعلى الرغم من هذا المسار التصاعدي في العلاقات الثنائية، فإن اليابان تحافظ على موقفها المبدئي الداعم لحل الدولتين (بين فلسطين وإسرائيل)؛ ويتأكد هذا الدور المحوري في سياق الصراع عبر مواصلة طوكيو تقديم مساعدات مالية سنوية تقدر بعشرات الملايين للسلطة الفلسطينية، التي تأسست بموجب اتفاقيات أوسلو.
إعداد و تقديم جنة الجندي لمزيد من المحتوى المقدم من الكاتبة، بالإمكان متابعة صفحتها الخاصة عبر فيسبوك.
