مركب خوفو الثاني .. بعيون يابانية

مركب خوفو الثاني .. بعيون يابانية
مركب خوفو الثاني .. بعيون يابانية

يُعد مشروع ترميم واستخراج أخشاب مركب خوفو الثاني واحد من أكبر مشاريع الترميم، والتي تُعبر عن أوجه التعاون المثمر بين اليابان ومصر. ويتم بالتعاون مع وزارة الآثار وجامعة واسيدا اليابانية هيجاش نيبون الدولية؛ يهدف المشروع إلى رفع القطع الخشبية الخاصة بالمركب الثاني لخوفو القابعة في باطن الأرض والعمل على ترميمها وإعادة تجميعها، لكي يتم عرضها داخل قاعة خاصة بالمتحف المصري الكبير.

في عام 1992، بدأ الخبراء من جامعة واسيدا (جامعة طوكيو) بدعم ضخم من الحكومة اليابانية في التعامل مع مركب خوفو الثاني، واتضح هنا أن المياه كانت تسقط على أخشابها من المتحف المجاور، حيث برز المركب الأول، ومن جراء ذلك تصدع الخشب القديم بشدة وحتى الآن فقد نجحوا في نقل حوالي (1272) قطعة خشبية إلى المعمل من أصل (1330) قطعة خشبية مقارنة بالمركب الأول؛ بسبب الحالة المتردية للخشب. حيث قاموا برفع الأجزاء المجمعة سابقا في 13 طبقة مراعاة للتتابع القديم طبقة تلو الأخرى. وأجرى مسح ضوئي قبل التحليل لكل طبقة بمساعدة ماسح الليزر الضوئي من أجل الحصول على نموذج ثلاثي الأبعاد. ثم صور كل جزء مرارًا وتكرارًا، ورسم في موضعه. ثم قياسه واختباره عن طريق تركيب الحماية .وبعد رفع أي جزء أجري مسح ضوئي له مرة ثانية. وفي تلك المرة منفصلا عن الباقين، قبل أن يُرسل إلى المعمل، حيث يصل ذلك الجزء إلى يد مُرمم الآثار.

إجراء المسح الليزري للقطع الأثرية جزءًا أساسيًا من عملية حفظها واستخراجها

واليوم صار واضحا بالفعل أن المركب الثاني لخوفو  يتميز بتصميمه عن المركب الأول. حيث كان يتمتع بعدد أكبر من المجاديف. كما أن تلك المجاديف تناسب حجم الإنسان تمامًا. ولم تجهز للعمالقة كمجاديف المركب الأول. ويعتقد العلماء أن المركب الأول ربما كان مركبا احتفاليًا. أما المركب الثاني فقد استطاع الإبحار في النيل بالفعل وتبقى الوصول إلى الطبقات السفلى. ومعرفة ما إذا كان على جسم السفينة آثار للأعشاب المائية والرخويات. وكذلك ما إذا كانت هناك أشرعة، فبعد رفع أخشاب المركب، تطلع المشاركون في المشروع إلى تجميع المركب من الأجزاء المنفصلة للنماذج ثلاثية الأبعاد فقط، وذلك بعد التحقق من النتائج وتحديد نظام التركيب ،فهم يكررون تلك الإجراءات عمليًا مع الأجزاء الحقيقية .

وللوقوف على مراحل هذا العمل الضخم كان لنا حديث على أرض الواقع مع أ.د. عيسى زيدان مدير عام الترميم ونقل الآثار بالمتحف المصري الكبير والمشرف على ترميم مركب خوفو الثاني إيمانًا منا بأن أعمال الترميم الأثري هي بمثابة تأريخ يقترن بالأثر يتعين تسجيله بكل دقائقه والإفصاح عن مقوماته للأجيال القادمة من المرممين الذين سينهجون على الطريق في إطار الحفاظ على التراث الأثري القومي في مصر.

يقول أ.د.عيسى زيدان كانت بداية التخطيط للعمل بمركب خوفو الثاني عام 1987م حيث تم الاتفاق بين هيئة الآثار والجمعية الجغرافية الأمريكية على عمل مشروع تصوير محتويات الحفرة الثانية دون المساس بمحتوياتها أو حدوث تغيير في مناخها وبيئتها أو تسريب الهواء بداخلها. ثم تولى فريق العمل المصري-الياباني العمل بالمشروع منذ عام 1992م وحتى الآن(29عاما) والمخطط الانتهاء منه عام 2025م.

ففي عام 2008م، تم وضع خطة عمل خاصة بسير العمل في المشروع والتي تتضمن عدة مراحل رئيسية: جاءت المرحلة الأولى والتي تم فيها تجهيز الموقع بعمل تغطية (عمل هانجر) تحيط بموقع الحفرة كاملا وبجواره إقامة أماكن لبناء معمل ترميم ومخازن. بداخل “الهانجر” الكبير تم عمل تغطية صغيرة على حدود الحفره فقط؛ لتقييد الظروف البيئية للحفرة عند رفع البلاطات الحجرية التي تغطي حفرة المركب. وفي عام 2010م، تم رسم مساقط أفقية لسور الهرم المحيط والذي كان يغطي الحفرة -تمت عملية توثيق للسور الأثري باستخدام المسح الليزري بالتعاون مع أكاديمية مبارك للعلوم-ثم بعد الانتهاء من تسجيل وتوثيق السور تم فكه ورفعه وإعادة بنائه على بقايا امتداد نفس السور في المنطقة غرب الهانجر. وتم عزل السور القديم عن السور الذي تم نقله باستخدام طبقة من البلاستيك. وفي عام 2011م. تم رفع الغطاء الحجري الذي يغطي حفرة المركب والذي يقدر بعدد 44 كتلة حجرية وتتراوح أوزانها بين 11 إلى 18 طن. وتم وضعه خارج الحفرة. وكان لزامًا علينا قبل رفع هذا الغطاء أن نضبط درجة الحرارة والرطوبة داخل الهانجر، كذا عزل سقف الحجرة (حجرة جفن أخشاب المركب) بألواح خشبية معالجة كيميائيا تم استيرادها من اليابان للحفاظ على معدل الحرارة والرطوبة، وتم استخدام تلك الألواح فور رفع الغطاء الحجري. وفي عام      2012 تم أخذ عينات من الأخشاب وإجراء كافة التحاليل العلمية والمعملية عليها في مصر واليابان-وذلك طبقًا لموافقات اللجنة الدائمة – من أجل تحديد مظاهر التلف المختلفة وأنواع التلف الميكروبيولوجي متمثلا في الإصابات الفطرية والحشرية التي توجد بالأخشاب وعلى نتائجها سوف يتم وضع خطة الترميم المناسبة لبدء العمل في ترميم ومعالجة أخشاب المركب مع الانتهاء من تجهيز معمل الترميم والمخزن الخاص بالأخشاب بالموقع لتكون جاهزة قبل البدء في أعمال الترميم.

ومنذ عام 2014 وهي المرحلة الحالية، والتي يتم فيها رفع الأخشاب من حفرة المركب إلى معمل الترميم ،وبداية الترميم وتقوية الأخشاب قبل إعادة التركيب، وهي عملية معقدة للغاية حيث يتم من خلالها عمل الدراسة التجريبية اللازمة لتقييم مواد التقوية التي سوف تستخدم في أعمال التقوية وتم التوصل إلى المواد التي تم استخدامها فى أعمال التقوية، وتم عمل اختبارات التقادم على هذه المواد ودراسة الاختبارات المعملية لها ؛ لاستنتاج مدى نجاحها، وحجم تأثيرها بعد مرور مئة عام على عمليات التقوية بهذه المواد.

كما تم التوثيق اللازم لجميع الطبقات التى يتم رفعها باستخدام تقنية التصوير ثلاثي الأبعاد. كما يتم عمل رسم يدوي وتوثيق لكل قطعة خشبية تمهيدًا لتجميع المركب باستخدام برامج الحاسب الآلي قبل تركيب المركب على الواقع .

وقد تم الانتهاء من رفع جميع الطبقات الخشبية من الحفرة. وتم الترميم الأولي لعدد 1340 قطعة . نقل منها 1175قطعة خشبية إلى مخازن المتحف المصرى الكبير؛ تمهيدا للبدء في أعمال الترميم النهائي وتجميع المركب بالمتحف المصري، ومن المتوقع أن يكون المركب جاهز للعرض بعد حوالي 4 سنوات من الآن –مع بداية عام 2025- وسوف يكون العمل في أعمال التجميع داخل مبنى مراكب خوفو الجديد بالمتحف الكبير، حيث تكون الزيارة أولا للمركب الأولى ثم مشاهدة أعمال تجميع المركب الثاني داخل مبنى المتحف. 

الكاتب: الدكتور رضا محمد عبد الرحيم

د.رضا محمد عبدالرحيم
د.رضا محمد عبدالرحيم

باحث بوزارة الآثار المصرية وحاصل على الماجستير في الآثار، مؤلف كتاب (أيام في طوكيو)، وعضوًا عاملاً في اتحاد كتاب مصر، والجمعية المصرية للدراسات التاريخية.

انضم الآن مجاناً لتصبح عضواً متميزاً في مجلة اليابان للحصول على آخر المستجدات والأخبار من الموقع مع العديد من العروض والمفاجآت! (اضغط هنا)

3 تعليقات

  1. حين تجتمع عظمة حضارة مع عظمة العولمة

  2. هذا النوع من التعاون أفضله دائما ، احب التعاون المصري الياباني، و الاهتمام بالآثار مفيد لمعرفة تاريخنا يشكل أعمق

اكتب تعليقًا