لماذا، كيف ومتى سيتنحى إمبراطور اليابان؟

هل اليابان دولة إمبراطورية؟! سؤالٌ يتبادر لأذهان الكثيرين عند استفسارهم عن اليابان بدافع الفضول. ويتم طرحه – غالباً – عند تعرفهم لأول مرة على نظام الحكم في بلاد مطلع الشمس، والتي لديها نظاماً فريداً جداً للحكم – كونها الدولة الوحيدة التي فيها إمبراطور في العالم حالياً – ويطلق عليه نظام “إمبراطوري دستوري”، والذي تم تأسيسه والعمل به بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تزامناً مع بدء العمل بالدستور الياباني الحديث في عام 1946. حيث يختلف هذا النظام عن بقية دول العالم بخواص محددة ولكنه مشابهٌ في الهيئة للنظام “الملكي الدستوري” الذي تتحلى به المملكة المتحدة (على سبيل المثال لا الحصر) والذي يعني بأن الدولة تمتلك ملكاً أو ملكة (في حالة اليابان إمبراطوراً) مع رئيس وزراء ودستور.

ويمثل الإمبراطور – وفق الدستور الياباني الحالي – رمزاً أعلى للدولة ووحدة الشعب الياباني كما تنص المادة رقم 1 من الفصل الأول “الإمبراطور هو رمز الدولة ووحدة الشعب، ويستمد قوته من رغبة الشعب الذي تكمن فيه القوة السيادية.” ويمتلك مقاماً جليلاً، ويقدم له احتراماً خاصاً لا يوازيه أحد في الثقافة اليابانية، كون نسله يعود لسنوات ما قبل الميلاد بدون انقطاع ويُعتقد بأنه مقدس وفق المعتقدات اليابانية التاريخية القديمة قبل الحرب العالمية الثانية. ومع أن الإمبراطور ينال تعظيماً كبيراً ولكن سلطته هي شرفية مجردة وفق الدستور الياباني ولا يحق له التدخل بشؤون الحكومة أو البتّ في سياساتها، وتنحصر سلطته بأمور مثل: تمثيل الدولة، أداء واجبات شرفية وطقوسية، تعيين رئيس الوزراء بتوصية من البرلمان الياباني وغيرها. فالإمبراطور لا يحكم بقدر كونه رمزاً للدولة والثقافة اليابانية العريقة وتقاليدها المميزة. ولشدة أهمية الإمبراطور كرمز لليابان، ستمر بلاد مطلع الشمس بنقطة تحول جذرية خلال تاريخها المعاصر، ستحدث لأول منذ مئتي عام، أو بالتحديد لأول مرة منذ عام 1817 ميلادية. ويتمثل هذا التغيير الجذري بتنحي الإمبراطور الياباني الحالي “أكيهيتو” – طوعياً – والبالغ من العمر 85 عاماً عن العرش الأقحواني الإمبراطوري، بعد 31 عاماً تقريباً من الحكم، وبدء حقبة “هيسيي” في عام 1989. وسيتنازل لابنه الأكبر وولي العهد الياباني الأمير “ناروهيتو” والبالغ من العمر 59 عاماً، والذي سيحل محله كإمبراطور اليابان الجديد لتبدأ حقبة جديدة للبلاد. ولكن ما سبب هذا التنحي مع أن الدستور الياباني لا يسمح للإمبراطور بالتنحي حتى مماته؟

قرار التنحي المفاجئ

في شهر أغسطس من عام 2016، وبشكلٍ غير معتاد وينافي البروتوكول الإمبراطوري، نشرت وكالة البلاط الإمبراطوري اليابانية عبر وكالات اليابان الإخبارية، فيديو للإمبراطور “أكيهيتو” تبلغ مدته 11 دقيقة تقريباً، يعبر فيه عن قلقه بشأن صحته وعمره (الذي كان 82 عاماً آنذاك) وكيف أنّ هذان العاملان يؤثران على أدائه لواجباته الشرفية في تمثيل الدولة اليابانية في الداخل والخارج. وأعرب قائلاً في أحد مواضع الفيديو: “بلغت الثمانين بالفعل، ولحسن حظي فاني بصحة جيدة، مع ذلك، عندما أفكر بتدهور لياقتي البدنية أخشى بأنه سيصبح من الصعب عليّ أن أمارس واجباتي كرمز للدولة، بكامل طاقتي كما فعلت حتى الآن”.

(خطاب الإمبراطور للشعب)

فهمت الحكومة اليابانية والشعب الياباني أن هدف فيديو الإمبراطور هو التعبير عن رغبته بالتنازل عن العرش بسبب كبر سنه والعبء العظيم الذي يحمله على عاتقه في تمثيل الدولة منذ عقود، دون تطرقه لنقاط حساسة مثل إمكانية تغيير الدستور الياباني والذي يمنع تنازل الإمبراطور حتى مماته، أو إعادة هيكلة النظام الإمبراطوري بالكامل. وتلى الخطاب غير العادي دعم رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبيه” للإمبراطور بقوله أنه يود التفكير بجدية حول كيفية تلبية رغبة الإمبراطور. ولكن خوفاً من اشتعال جدل واسع حول من سيخلف الإمبراطور والمشاكل التي ستواجهها العائلة الإمبراطورية نتيجة هذا التنحي المفاجىء (بسبب قلة عدد الوارثين للحكم من الذكور)، لم تتخذ الحكومة اليابانية قرارات جدية حتى عام 2017 حيث – وبعد مشاورة عميقة – قررت الحكومة اليابانية تشريع قانون رسمي يسمح للإمبراطور “أكيهيتو” بالتنحي، وسيكون هذا القانون صالح لمرة واحدة فقط لضمان استمرارية العائلة الإمبراطورية ونظام توريث الحكم. وعلى أساس هذا القانون تم تحديد موعد لتنحي الإمبراطور الياباني ووضع خريطة طريق لكيفية إجراء مثل هذه الطقوس التاريخية.

شجرة العائلة الإمبراطورية اليابانية

مراسم تنحي الإمبراطور

نظراً لأهمية دور الإمبراطور كرمز للشعب الياباني تحظى مراسم تنحيه وفق التقاليد اليابانية أهمية خاصة وكبيرة لتقديم أقصى درجات الاحترام لهذا الحدث التاريخي المستمد من تاريخ العائلة الإمبراطورية العريقة منذ آلاف السنين. حيث تبدأ المراسم – وفق وكالة البلاط الإمبراطوري – منذ يوم 12 مارس وتدوم حتى 30 أبريل، وخلالها يقوم الإمبراطور “أكيهيتو” بـ 11 طقساً تقليدياً يخاطب فيه الآلهة – وفق المعتقدات اليابانية – وأجداده مثل الإمبراطور “جينمو” وهو أول إمبراطور لليابان ورمز أسطوري، ووالده المتوفى الإمبراطور “هيروهيتو” والذي يطلق عليه لقب الإمبراطور “شووا” تيمناً بحقبته، ويخبرهم بأمر تنحيه عن العرش ويقدم لهم الاحترام والصلوات. وفي الـ 30 من أبريل سيُقام طقس سيزور خلاله الإمبراطور 3 أضرحة مقدسة داخل القصر الإمبراطوري يطلق  عليها باليابانية أسماء “كاشي كودوكورو” و “كوريدين وشيندين” ويعتقد بأنها تأوي الآلهة اليابانية، ويطلعهم على أمر تنحيه الأخير ويقدم لهم احترامه معلناً عن نهاية حقبته الذي تدعى “هيسيي” والتي تعني السلام.

الإمبراطور أكيهيتو يؤدي مراسم التنحي في القصر الإمبراطوري في طوكيو | الصورة: وكالة كيودو

نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة

الإمبراطور أكيهيتو أثناء مراسم التنصيب عام 1989 | الصورة: جيجي برس، أ ف ب

بدأت حقبة “هيسيي” مع اعتلاء الإمبراطور “أكيهيتو” العرش في عام 1989. حيث امتازت هذه الحقبة بالسلام الطويل التي نعمت به اليابان والتقدم التقني الكبير مع تعثر الاقتصاد الياباني بين حين وآخر بتلك الفترة. ومن الجدير بالذكر أن اليابان تعتمد نظام تقويم يختلف كلياً عن النظام الغربي الشائع، وهو نظام ياباني تقليدي. ويبدأ التقويم الياباني مع اعتلاء الإمبراطور الجديد للعرش الأقحواني وتختار الحكومة اليابانية اسماً لهذا التقويم أو الحقبة كمثل اختيار اسم “هيسيي” لحقبة الإمبراطور “أكيهيتو” والتي بدأت عنده وفاة والده “هيروهيتو” واعتلائه للعرش في عام 1989 ميلادية، واستمرت هذه الحقبة 31 عاماً وسوف تنتهي قريباً. ومع تغير الحقبة يتغير التقويم الياباني بالكامل. وبعد تدبر كبير بين الحكومة ووكالة البلاط الإمبراطوري وجدال دار لمدة سنة كاملة بين لجان حكومة مختصة تناقش مسألة التنحي وكيفية إجرائها، اتفقت الحكومة على جعل موعد التنحي الرسمي لإمبراطور اليابان في الـ 30 من أبريل 2019، وتم اختيار هذا الموعد المحدد كونه متزامن مع عطلة تدعى بالأسبوع الذهبي (رابط مقال الأسبوع الذهبي هنا) في اليابان وهو أسبوع كامل من العطل الوطنية، وبذلك سيحظى الشعب بعطلة هي الأطول في التاريخ الحديث تدوم لمدة 10 أيام، ابتداءً من يوم 27 أبريل حتى 6 مايو ويتخلل هذه العطل مراسيم التنحي والتنصيب لأباطرة البلاد.

كبير متحدثي الحكومة اليابانية يوشيهيديه سوغا يعلن عن اسم الحقبة الجديدة ريوا

وبعد الانتهاء من شأن التنحي اختارت الحكومة اليابانية في الأول من أبريل 2019 اسماً للحقبة الجديدة للبلاد وكان “ريوا” وتعني “التناغم الجميل” وستبدأ هذه الحقبة عند اعتلاء الابن الأكبر للإمبراطور وولي العهد الأمير “ناروهيتو” لعرش اليابان في الأول من مايو 2019 بعد إجراء مراسم التنحي بيوم واحد فقط. معلناً بذلك انتقال البلاد من عهد لعهد أخر ليحدد مستقبل الجميع وتفاصيل حياتهم لعقود قادمة.

دورات تعلم اللغة اليابانية في قلب العاصمة طوكيو، للمزيد من المعلومات لا تترددوا بمراسلتنا عبر صفحتنا على فيسبوك

أحدث المقالات

رقم قياسي لعدد الطلاب الأجانب الذين وجدوا عملاً في اليابان

سجل عدد الطلاب الأجانب الذين وجدوا عملاً في اليابان بعد تخرجهم من الجامعات اليابانية أو المدارس المهنية رقماً قياسياً جديداً…

9 ساعات ago

ما هي تكاليف مراسم تنصيب الإمبراطور ناروهيتو؟

انتهت اليابان من مراسم تنصيب الإمبراطور ناروهيتو التقليدية بحضور آلاف الضيوف من حول العالم، وهو حدث تاريخي يمر مرةً واحدةً…

يوم واحد ago

قائمة أفضل الأغاني رواجاً في اليابان للأسبوع الثالث من شهر أكتوبر 2019

نستعرض في هذه القائمة أفضل وأكثر عشرة من الأغاني الجديدة رواجاً، والتي حققت انتشاراً ومشاهدات عالية منذ نشرها عبر وسائل…

يومين ago

س و ج عن مراسم تنصيب الإمبراطور ناروهيتو القادمة

تترقب اليابان يوماً تاريخياً في الـ22 من أكتوبر/تشرين الأول 2019، حيث سيكون عطلة وطنية بمناسبة مراسم تنصيب الإمبراطور ناروهيتو القادمة.…

3 أيام ago

الصين تحتجز بروفيسوراً يابانياً بتهمة التجسس

صرحت مصادر يابانية مطلعة يوم الجمعة أن الصين قد احتجزت بروفيسوراً يابانياً خلال الشهر الماضي (سبتمبر/أيول) بينما كان في العاصمة…

4 أيام ago

حالات التنمر في المدارس اليابانية تصل لرقم قياسي جديد

كشفت وزارة التعليم، الثقافة، الرياضة والعلوم والتكنولوجيا اليابانية من خلال بيانات جديدة عن ارتفاع حالات التنمر في المدارس اليابانية بنسب…

5 أيام ago

الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان سرعة أكبر بالتصفح