التصنيفات ثقافة

كهنة جبال اليابان

 كان التراث الشاماني في الشنتوية قوياً جداً، فقد شعر الناس أنه يمكن أن تكون لهم علاقة بالقوى غير المنظورة من خلال توسط الشامان (“سحرة” دينيون يدّعون بأن لديهم قوة تتغلب على النيران وأنهم يستطيعون التواصل مع عالم الأرواح)، ورغم أن دخول الديانة البوذية إلى اليابان كان يعني على المستوى الرسمي تطوراً واسع المدى لديانة منظمة، إلا أن التراث التقليدي استمر في رسوخه، حيث سعى رجال مقدسون من خارج المؤسسات الدينية الرسمية إلى تقديم الحياة الدينية لعامة الناس. ويسمى هؤلاء “هيجيري” أي رجال مقدسون، وقد سار كثيرون منهم على نهج النساك البوذيين وأطلق عليهم اسم أوباسكو (التي تعني الساحر او الناسك). وأصبح نظامهم الصارم أساساً لطريقة الشوجيندو Shugendo أي طريقة النساك، وهو نظام عقيدة توفيقيّة تعني “طريق الاختبار والتدريب”. وكان الاعتقاد السائد هو أن النساك يستطيعون أن يبلغوا قوة سحرية تفوق قوة البشر نتيجة الميزة التي حصلوا عليها من خلال ممارستهم الدينية الصارمة.

تحت شلال من الماء البارد والمتجمد، والذي يتدفق فوق جرف صخري في الجبال خارج حدود العاصمة اليابانية طوكيو، يقف رجل في الأربعينيات من عمره ويداه متشابكتان. عارياً إلا من قطعة بيضاء من القماش تغطي الجزء السفليّ من جسده، يتمتم مانترا (تعويذة) لأكثر من نصف دقيقة، في حين تنسكب عليه المياه المتجمدة. فيما يكتفي رفاقه ذوي الأردية البيضاء بالوقوف في مكان قريب والمراقبة. ثم يهتفون عندما يُنهي طقسه، ويُعدون أنفسهم ذهنياً لمجيء دورهم بالوقوف تحت مياه الشلال.

تأثر الفنون القتالية التقليدية بالشوجيندو

تعرفوا على اليامابوشي (أولئك الذين يتعبدون فوق الجبال)، وهم أتباع طريقة باطنية تحتل مكاناً فريداً في الروحانية اليابانية. إنهم يبحثون عن الاستنارة عن طريق التواصل مع العالم الطبيعي والقوى الروحية التي تسكنه. ويتبعون مذهب الشوجيندو. فقديماً، كان بعض النساك ينتقلون من قرية إلى قرية، ويعملون كشامانيين محليين، وارتبطت طريقة النساك بعبادة الجبال الشنتوية البدائية. في الأساس هم سحرة الجبال الذي يسعون إلى حالة “الإلهام” (بمعنى الوجد الصوفي) أثناء تسلقهم للجبال. وأضافوا بمذهبهم هذا إلى الفكر البوذي الفكرة التي تقول إن صعود الجبال يوازي الصعود في الطريق ذو الشعب الثمانية والذي يقود إلى الاستنارة الروحية. يبدو أنها طريقة للتطور الفرديّ في الطبيعة. وفي بعض الأحيان، دُعي هذا النهج بـ “الصحوة التجريبيّة”. ووصف بالتجريبية لأن نشاط المرء لا يقتصر على قراءة كتب الشوجيندو، أو الجلوس في المعبد، بل يجلس أيضاً في الطبيعة، وفي الجبال تحديداً ويختبر ذاته الفرديّة وبيئته المحيطة بكل حواسه. وهذه الرغبة في ملاقاة المرء للطبيعة بكل حواسه قد تروق اليوم لقاطني المدينة المتخمين بالسأم، إلا أن تراث كهنة الجبال هذا يرجع إلى القرن السادس الميلاديّ. ففي ذلك الوقت قام زاهدون متجولون بمزج عناصر من الشنتو والبوذية الباطنية والتاويّة وصاغوا ما نعرفه باسم الشوجيندو. وظهرت ضمن هذا الوسط تشكيلة ملونة من الشخصيات، كان منها النساك والقديسون المتجولون، وطاردوا الأرواح والمعالجون. في المراحل الأولى، عزف معظمهم عن الزواج، ومع مرور الوقت، تنوع مجتمع اليامابوشي تدريجيّاً وغدا طوائف وفرق، وشرع بعضهم في بناء أسر لهم وفقاً لتقاليد خاصة اصطفوها بأنفسهم وأثروا اتباعها.

ومن القرن الثاني عشر إلى فترة إصلاح ميجي في العام ١٨٦٨، غدت حركة شوجيندو حركة روحية أساسية في اليابان. ووجدت إحدى الدراسات أن أكثر من 90% من مزارات القرى في المنطقة الشمالية من هوشو كان يقوم على خدمتها كهنة ذوي روابط مع اليامابوشي خلال تلك الحقبة. أما الحاضر فهو مسألة أخرى، فقد أضحى الشوجيندو غريباً لمعظم اليابانيين كما هو الحال بالنسبة للأجانب. فالإنسان العادي بات يرى كهنة الشوجيندو كجزء من تراث الثقافة التقليديّة، إذ عادة ما يقتصر ظهورهم على الاحتفالات التي تقيمها المعابد. ولأن أتباع الشوجيندو أصبحوا أبعد ما يكون عن متسولين بدوام كامل تعذر فهمهم والإحاطة بطريقتهم على العوام. يضاف إلى ذلك أن معظم اليامابوشي الحاليين هم أناسٌ عاديون دمجوا تعاليم الشوجيندو في حياتهم العائلية والعملية. وبالتالي، فإن لديهم وظائف اعتيادية في الشركات، والمكاتب العامة أو أنهم يمارسون العمل المستقل بشكل حرّ، كما أن لدى معظمهم عائلات. سواء كانوا أجانب أم يابانيين، ذكوراً أم إناثاً، يتجهز اليامابوشي قبل ذهابهم إلى الجبال. ويتضمن زيّهم (الرمزيّ) صنادل من القش، مسبحات بوذيّة، وأرديّة بمختلف الألوان، الأبيض، الزعفرانيّ، البنيّ، الأزرق وأحياناً مزيج منها على هيئة مربعات، وتارة يرتدون قبعات مخروطية الشكل مصنوعة من شرائح الخشب المنسوج أو قبعة إفرنجية سوداء تفيد في الحماية ويمكن استعمالها ككأس للشراب! كما يحمل البعض أبواقاً من الصدف. وكل واحد منهم تقريباً يحمل معه عصا كي تضمن له التوازن وسط التضاريس الوعرة. وهذا البند الأخير مهم بشكل خاص، فبغض النظر عن الطائفة، فإن الحج هو ممارسة تشترك بها كل الفرق التابعة لليامابوشي. فالمشيّ في الجبال يعتبر ركيزة أساسية يجب القيام بها. إذ يتوجب على الممارسين الجديين اجتياز أحد هذه المسارات الجبلية مرة واحدة في السنة على الأقل. وفي الماضي، كان يتم ذلك بشكل متكرر أكثر، ولكن في هذه الأيام لا يحصل الناس بسهولة على عطلة كي يقضوها بالمشي في الجبال.

بينما في هذه الأيام، عدد صغير من اليامابوشي فقط هم رهبان رسميون، وهم من يقود الطقوس مثل طقس التطهر تحت مياه الشلال أو السايتو غوما، وهو احتفال ناريّ في الهواء الطلق. ولكن على العموم، لا يمتلك أتباع الشوجيندو غير نهايات الأسبوع والعطلات الطويلة، وهو الوقت الذي تحدث فيه معظم أنشطتهم في الوقت الراهن. في أي عطلة أسبوعية، يمكن رؤية مجموعة صغيرة من اليامابوشي وهم يسيرون ضمن مسارات وعرة في مناطق معينة من اليابان. وخلال صعودهم، غالباً ما يرددون بتناغم القول التالي: “أنا أتوب. أنا أتوب. طهر حاستي السادسة”. بالمقابل، تعزز صعوبة رحلتهم إيمانهم الداخلي بالكلمات التي يرددونها، ويغدو اختبار التحمل الجسديّ أمراً بالغ الأهمية في هيكلية تقاليدهم. هذا المسير ليس مجرد سير عادي، بل هو نوع من التطهر، والتأمل، والتعبد لـ”آلهة” معينة. كما يهدف أيضاً إلى اختبار قدرة التحمل لدى المرء، بمنحييها الجسدي والعقلي، والتشجيع على تحقيق الانسجام والتعاون فيما بينهما. ومعظم هذه الفعاليات يتم تنظيمها بواسطة المعابد أو مجموعات اليامابوشي ويمكن أن تشمل أي عدد من الأشخاص، فقد يكون خمسة أشخاص أو خمسة عشر شخصاً أو حتى ثلاثين. وعديدة هي المصاعب التي يتحملها كهنة الجبال، فهم يكافحون قلة النوم، أو يمشون على جمر محترق، أو كما ذكر سابقاً يعرضون أنفسهم للانغماس بمياه الجبال الجليدية. وخلال فترات الانضباط التنسكيّ يلتزمون بنظام غذائيّ صارم يتألف بمعظمه من الخضراوات الجبلية. على الرغم من أن ذلك لا يتيح للمرء عطلة نهاية أسبوع مريحة، ولكن بعض المعابد أصبحت تقدم فعاليات للفضوليين الذين يودون خوض التجربة. أما الأسباب التي قد تدفع المرء لخوض تجربة شاقة كهذه فهي عديدة بعدد المحاربين المتعبين الذي يقارعون الحياة اليومية، والذين يودون اكتشاف ماهية الشوجيندو. عند خوض الشخص لهذه التجربة للمرة الأولى، غالباً ما سيشعر بطاقة غريبة تتدفق من الطبيعة، وهو ما لا يشعر به عادة في الحياة العادية الحضريّة. ويقال إن هدف الشوجيندو هو استحصال قوى خارقة وهذا على الأرجح أعلى مستوى من الإنجاز. ولكن الحصول عليه ليس بالأمر السهل، فهو يتطلب سنوات عديدة من التدريب المتواصل والجاد. كمٌ معين من الطاقة والخبرة للجسد والعقل هو ثمرة التدريب التنسكيّ. قوة جسديّة كامنة تأتي كنتيجة للسير الطويل والشاق في الجبال. وذهن هادئ وثاقب يتحصل من تواجد المرء في الطبيعة، والذي يدفع المرء إلى التأمل والتخلي عن مخاوفه الدنيوية. ومن هناك ينبع فهم أعمق لموقع الإنسان في الطبيعة والكون.

أحدث المقالات

قوانين مرورية جديدة لضبط عمل السيارات ذاتية القيادة!

قالت الحكومة اليابانية على لسان كابينتها الوزارية الجديدة بأنها وافقت على مجموعة قوانين مرورية تهدف لتنظيم وظبط عمل السيارات ذاتية…

دقيقتين ago

يونيكلو ستبيع ملابس مصنوعة من قوارير بلاستيكية مستخدمة!

قالت شركة "فاست ريتيلنج" اليابانية للبيع بالتجزئة والمشغلة لسلسة يونيكلو للملابس غير الرسمية، بأنها تعتزم بيع ملابس مصنوعة من قوارير…

21 ساعة ago

عمدة أوساكا يقترح حلاً للتخلص من مياه فوكوشيما المشعة!

اقترح عمدة مدينة أوساكا إيتشيرو ماتسوي حلاً على حكومة طوكيو المركزية، للتخلص من المياه المشعة لمفاعل فوكوشيما الأول في خليج…

يومين ago

قفازات تبرد جسدك حتى أثناء حرارة الصيف الحارقة!

كشفت شركة شارب اليابانية الرائدة في مجال الإلكترونيات عن قفازات جديدة قادرة على تبريد الجسد والحفاظ على درجات حرارته المعتدلة…

3 أيام ago

قائمة أفضل الأغاني رواجاً في اليابان للأسبوع الثالث من شهر سبتمبر 2019

نستعرض في هذه القائمة أفضل وأكثر عشرة من الأغاني الجديدة رواجاً، والتي حققت انتشاراً ومشاهدات عالية منذ نشرها عبر وسائل…

4 أيام ago

إنتل و NEC تطوران نظام ذكي جديد للتعرف على الوجوه!

ستشهد ألعاب طوكيو الأولمبية الصيفية 2020 الكثير من الإنجازات التكنولوجية المبهرة، أحدها سيكون بين إنتل وNEC لتطوير نظام متطور جديد…

5 أيام ago

الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان سرعة أكبر بالتصفح