التصنيفات ثقافة

قصة الحرب بين سوني و توشيبا

مع التطور الكبير الذي شهدته قطاعات التقنية بشتى مجالاتها في العقود الأخيرة، أصبح من المهم للغاية مواكبة التطور بوسائط تخزين ذات سعة أكبر وأكثر كفاءة. ومن هذا المنطلق سعت كلاً من شركتي سوني و توشيبا إلى توفير تقنيات جديدة لإنتاج جيل جديد من أقراص التخزين التي يمكن من خلالها الاستغناء عن الأقراص المدمجة القديمة.

كانت الأقراص المضغوطة (المدمجة) يعتمد عليها بشكل رئيسي للتخزين، وهي منتشرة بشكل واسع في أنحاء العالم. وتبلغ سعتها التخزينية 700 ميغابايت. وهي من تطوير شركة سوني و شركة فيليبس الهولندية ، وقد تم طرح هذه الأقراص في الأسواق عام 1982 وكانت في ذلك الوقت مخصصة لتخزين وقراءة المقاطع الصوتية و الموسيقية فقط، ليتم فيما بعد تطويرها لتخزين وقراءة جميع أنواع الملفات بوسائطها المتعددة، الأمر الذي أدى إلى الاعتماد عليها بشكل رئيسي كخيار بديل وأفضل من الأشرطة الممغنطة التي كان تُستخدم من خلال أجهزة مخصصة وظيفتها فقط القراءة أو التسجيل على هذه الأشرطة. تعتمد التقنية الخاصة بالأقراص المدمجة على أشعة الليزر لتخزين البيانات الرقمية على طبقة رقيقة من الألمنيوم النقي، وهي الطبقة الموجودة على سطح القرص المدمج، فيتم استخدام أشعة ليزر حمراء لتخزين البيانات على مسارات حلزونية صغيرة للغاية تصل أبعادها إلى 850 نانومتر.

كانت هذه النقلة النوعية خطوة أساسية في مجال الرقمنة أو التحول الرقمي واستخدام وسائط تخزين عالية الكفاءة في شتى المجالات. لكن هذا التطور له حدود، حيث واجه العديد من التحديات التي برزت بشكل أكبر بعد تطوير معدات وأجهزة وآلات التصوير التي تمكنت من خلال التقنيات الحديثة التقاط صور ومشاهد بدقة أعلى بكثير بالمقارنة مع نظيراتها القديمة.

السعة التخزينية ليست كل شيء!

لنأخذ السيارة كمثال، سرعتها القصوى و قوة محركها ليستا كل شيء، فمعدل استهلاك الوقود و مستوى الأمان و الراحة فيها، معدل التسارع، عزم دوران المحرك، نظام الدفع، نظام المكابح وقوة الكبح، نوعية الإطارات بالإضافة إلى الكثير من الأمور التي يمكن من خلالها تقدير كفاءة السيارة ومعرفة قدرتها التنافسية. الأمر ذاته ينطبق على الجيل الجديد من الأقراص وكذلك جميع أنواع المنتجات. لذلك برزت الحاجة لوجود أقراص عالية الكفاءة ليس فقط من ناحية السعة التخزينية، بل حتى في سرعة التخزين والكتابة والنسخ، بالإضافة إلى سرعة القراءة واستعراض الملفات. من المهم أيضاً بالنسبة للشركات المنتجة مراعاة حجم الاستثمارات المراد ضخها في أجهزة ومعدات جديدة لإنتاج جيل جديد من هذه الأقراص، هذه المواصفات التي كافحت كلاً من توشيبا و سوني في التوصل إليها من خلال أقراص Blu-ray و HD DVD  .

وقد واجهت سوني الكثير من الانتقادات منذ البداية بسبب اعتمادها على أقراص بلو راي، لعل من أبرز هذه الانتقادات وفقاً للمحللين والخبراء في هذا المجال، حيث يتطلب إنتاج أقراص بلو راي معدات وخطوط إنتاج جديدة وهو أمر مكلف بالمقارنة مع إنتاج أقراص HD DVD التي عملت توشيبا على إنتاجها، حيث تمكنت توشيبا من إنتاج أقراص HD DVD  اعتماداً على نفس خطوط الإنتاج الخاصة بأقراص الدي في دي DVD ، بالإضافة إلى نقطة هامة أخرى وهي أن الشركات كانت تضطر إلى استخدام تقنيات خاصة للحيلولة دون ارتكاب أي انتهاكات لحقوق النشر والنسخ في أقراص بلو راي، هذه التقنيات تسببت – منذ بداية طرح أقراص بلو راي – بالكثير من المشاكل لدى المستخدمين عند استعراض محتويات الأقراص وهذا ما دفع بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت إلى انتقاد الإجراءات المتبعة في أقراص بلو راي التي وصفها بأنها “ضد حقوق المستهلكين” وهذا ما يفسر دعم مايكروسوفت لشركة توشيبا في هذه الحرب من البداية. ومن جملة الانتقادات أيضاً التي تم توجيهها إلى سوني بأن الشركة “مهتمة أكثر بالعائدات المادية أكثر من الاهتمام بتوفير أفضل التقنيات للمستهلكين”.

هذه الانتقادات الكبيرة التي تعرضت لها سوني كانت من جملة التحديات الكبيرة في دعمها لتقنيات أقراص بلو راي، وكانت بنفس الوقت نقاط القوة بالنسبة لتوشيبا والتي كانت تركز عليها والتي زادت من موقفها قوةً بتشبثها بدعمها لأقراص HD DVD التي دأبت على إنتاجها ونشرها في الأسواق، لدرجة أنه كان من الشائع جداً بيع أقراص HD DVD  جنباً إلى جنب مع أقراص بلو راي في الكثير من الأسواق والمحال التجارية. وهو ما خلق حالة من التوتر والقلق بالنسبة للمستهلكين والمستثمرين بسبب الحرب التجارية التي قامت بين سوني و توشيبا عام 2002 حيث كان يتردد المشتري قبل أن يتخذ قراره بالشراء لأنه لم يكن يعلم بدايةً أي من هذه الأقراص ومشغلاتها يمكن الاعتماد عليها على المدى البعيد.

كانت أقراص بلو راي تباع جنباً إلى جنب مع أقراص إتش دي دي في دي  | courtesy: engadget

كانت توشيبا ترى مسألة التكلفة المرتفعة لإنتاج أقراص بلو راي نقطة قوية لصالحها و تعزز من موقفها أكثر، لكن شركة سوني من الناحية الثانية تراها نقطة لصالحها تنقض من خلالها المزاعم والانتقادات التي طالتها بأنها “مهتمة بالإيرادات والعائدات المادية أكثر من اهتمامها بتوفير أفضل التقنيات للجمهور”. كما أنّ لدى سوني خبرة كبيرة في مجال المنافسة حين خاضت معركة كبيرة في مجال الأشرطة الممغنطة وتسويقها ضد شركة JVC. صحيح أن سوني خسرت المعركة في نهاية المطاف، إلا أنها قد تعلمت منها الكثير واستفادت في توظيف هذه الخبرة باتخاذ التدابير اللازمة ليكون لها الأفضلية في منافستها ضد توشيبا.

أشرطة بيتاماكس الممغنطة (الأصغر حجماً) ومن إنتاج سوني التي خسرت معركتها مقابل أشرطة في إتش إس الممغنطة من إنتاج شركة جي في سي

ومنذ ذلك الوقت، كانت لشركة سوني بيئة تنافسية خصبة في قطاع الترفيه و كذلك السينما، حيث استحوذت سوني على شركة و استوديو”كولومبيا بيكتشرز” عام 1989. ومنذ ذلك الوقت أصبح اسم سوني معروفاً ليس من خلال معدات وأجهزة التصوير وحسب، بل وحتى من خلال الأفلام التي يتم نشرها باسمها (Sony Pictures). وأما بالنسبة لقطاع الترفيه والألعاب، فحدث ولا حرج، فالجيل الثالث من أجهزة بلايستيشن (PS3)  كان عاملاً هاماً في هذه المنافسة، ولعب دوراً كبيراً في تعزيز مبيعات أقراص بلو راي في كافة أنحاء العالم.

شعار شركة سوني بيكتشرز

الجدير بالذكر بأن الأجهزة المشغلة لأقراص بلو راي حققت مبيعات بغالبية ساحقة بلغت 90% في اليابان لعام 2007 – وذلك حتى بدون احتساب نسب المبيعات لدى بلايسيتشن3- وفقاً لدراسة تم نشرها في موقع فرانس24 عام 2008. الخبرة الكبيرة في المنافسة لدى سوني، بالإضافة لتوسعها الكبير في قطاع الترفيه والسينما، لم تحسم المعركة تماماً، بل المواصفات التي قدمتها أقراص بلو راي هي التي جذبت اهتمام الكثير من الشركات. فأقراص بلو راي تتفوق من حيث السعة التخزينية وسرعة الكتابة والقراءة وقد تم حل المشاكل كانت تحدث بسبب الحماية من مخالفات حقوق النشر والنسخ.

التقنية الرائدة بالتخزين لدى أقراص بلو راي جذبت اهتمام الكثير من الشركت حول العالم | Courtesy: wired com

ويمكن تسجيل وتخزين البيانات على أقراص بلو راي بأشعة الليزر الزرقاء التي تعتبر أدق بكثير من أشعة الليزر الحمراء المستخدمة في أقراص DVD، كما أن طول موجة الأشعة الزرقاء أقل أيضاً، وهذا يمنحها الأفضلية لتسجيل البيانات بسعات أكبر بكثير من السعات المتوفرة لدى الأقراص التي تنتجها توشيبا. وتبدأ سعات بلو راي التخزينية من 25 غيغابايت للطبقة الواحدة بالقرص، و 50 غيغابايت للطبقتين (Dual Layer) ونظراً لسهولة إضافة الطبقات لأقراص بلو راي، من المتوقع أن تتوفر أقراص بلو راي بسعات تخزينية تبدأ من 100 غيغابايت للطبقة الواحدة في المستقبل القريب! هذه المواصفات التقنية المذهلة ليست مجرد حبر على ورق، بل أصبحت واضحة للعامّة وكان من السهلة إجراء مقارنة بين فيلم مخزّن بقرص بلو راي و مخزن بقرص HD DVD  والنتيجة واضحة:

الفرق بالدقة واضح بين بلو راي و إتش دي دي في دي

كما هو موضح بالصورة حيث تبدو الألوان أغنى وأعمق بالفيلم المخزن في قرص بلو راي، وهناك الكثير من التفاصيل مثل الظلال بالصورة التي يصعب استعراضها في قرص HD DVD . هذا الفرق الكبير بدقة الصور في الأفلام وكذلك الألعاب، دفع الكثير من الشركات إلى الاعتماد على أقراص بلو راي بدلاً من أقراص HD DVD. وبالنهاية لجأت الشركة السينمائية العملاقة .Warner Bros إلى اتخاذ نفس الخطوة بعد أن كانت من الشركات النادرة التي تقوم بنشر أفلامها على كلٍ من أقراص بلو راي و HD DVD وهذه الخطوة هي التي أنهت آمال توشيبا في السيطرة على الجيل الجديد من وسائط التخزين. ليتم حسم المنافسة لصالح سوني، حيث أعلنت توشيبا عن توقف إنتاجها لأقراص HD DVD  عام 2008.

وقد كان لشركة توشيبا رأيها الخاص في عدم كسبها لهذه الحرب، حيث عزت السبب إلى ظاهرة القرصنة وتحميل الأفلام بشكل غير قانوني. لا شك بأن القرصنة تسبب الكثير من الخسائر لكن هذه الخسائر ليست محصورة بشركة توشيبا وحسب، بل سوني أيضاً تتضرر بشكل مستمر من ظاهرة القرصنة، لذلك لا يعتبر هذا السبب واقعياً وفقاً للخبراء والمحللين بهذا المجال. وتعتبر هذه الخسارة التي تلقتها توشيبا من أكبر الخسائر التي تعرضت لها في تاريخها بعد الخسارة التي منيت بها خلال أزمتها النووية.

خدمات الترجمة من وإلى اليابانية بأفضل الأسعار، للتفاصيل لا تتردد بالتواصل معنا

صحيح أن سوني فازت في هذه الحرب وسيطرت على وسائط التخزين وأجهزتها في الأسواق العالمية، لكن من الصعب التنبؤ بمستقبل القطاع التقني نظراً لتغير معطياته بسرعة كبيرة، علاوةً على ذلك، وكما اكتسبت سوني خبرة تنافسية بالسوق، هنالك شركات أخرى اكتسبت خبرة تنافسية أيضاً، لذلك تبقى محطات الفشل جزءاً مهماً من منظومة النجاح لدى أي شركة في العالم. وكما يقال بأن لكل جوادٍ كبوة، فإن ما تعرضت له توشيبا من خسائر في هذه الحرب، لا يعني بالضرورة أن هذه الخسارة بهذه الحرب نهائية، ربما قد تشهد توشيبا نهضة كبيرة بعد نكستها، كما تشهد سوني الفوز بعد خسارتها مقابل شركة JVC.

أحدث المقالات

  • أهم الأخبار
  • علوم وتكنولوجيا

دواسة وقود قد تنقذ حياتك، ابتكار ياباني جديد!

طورت شركة يابانية صغيرة جهازاً جديداً يدعى بـ "Onepedal" وهو عبارة عن دواسة وقود ومكابح في آنٍ واحد تعمل بشكلٍ…

16 ساعة منذ
  • أهم الأخبار

باكستاني يقاضي الحكومة اليابانية لحق البقاء داخل البلاد!

تصدر رجلٌ باكستاني الجنسية وسائل الإعلام المحلية اليابانية مؤخراً، عندما سعى لرفع قضية ضد الحكومة اليابانية مطالباً بحق البقاء داخل…

يومين منذ
  • فنـــون

قائمة أفضل الأغاني رواجاً في اليابان للأسبوع الثالث من شهر أغسطس 2019

نستعرض في هذه القائمة أفضل وأكثر عشرة أغاني رواجاً، والتي حققت انتشاراً ومشاهدات عالية منذ نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي…

يومين منذ
  • ثقافة
  • طبيعة وسياحة

جنة الغزلان.. لماذا تتعايش الغزلان بسلام مع سكان نارا؟

قد يُلفت نظر بعض محبي الثقافة اليابانية والسُياح وجود العديد من القرى والأماكن المخصصة للحيوانات منذ القدم في اليابان والتي…

4 أيام منذ
  • أهم الأخبار
  • علوم وتكنولوجيا

ذيل آلي للبشر سيساعدك على التوازن كالقطط!

هل تساءلت يوماً كيف سيكون شكل جسدك إن امتلكت ذيلاً كالقطط؟ ربما ذيلاً آلياً من المستقبل؟ قد تصبح تساؤلاتك حقيقة…

5 أيام منذ
  • أهم الأخبار

عاصفة كروسا تجتاح غربي اليابان وتصيب العشرات

قالت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية أن عاصفة استوائية ضخمة تدعى "كروسا" اجتاحت محافظة هيروشيما غرب اليابان يوم الخميس. جالبةً معها…

6 أيام منذ

الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان سرعة أكبر بالتصفح