تعرف على ترسانة القوة الناعمة لليابان وأشهر أسلحتها

هل تلاحظ انتشار ثقافة الأنمي والمانغا وغيرها في السنوات الأخيرة؟ ربما لهذا الأمر علاقةً بمفهوم يعرف بـ”القوة الناعمة” والذي برعت اليابان فيه بشدة.




ولكن ما هي القوة الناعمة بالتحديد؟

تعني القوة الناعمة، القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع. وهو مفهوم واسع جداً وله عدة تعريفات أخرى من ضمنها: أن يكون لدولةٍ ما قوة معنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق أو من خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره.

وجاء هذا المفهوم في الأصل من أستاذ العلوم السياسية، الفيلسوف، والعميد الأمريكي السابق “جوزيف سامويل ناي” عبر كتاب نشره في عام 1990 تحدث فيه عن مفهوم القوة الناعمة ولكنه لم يحدد خواصه بوضوح إلا عبر كتاب آخر في عام 2004. وتستخدم عدة بلدان حول العالم ومن ضمنها اليابان هذا المفهوم منذ نحو عقدٍ من الزمن لتحسين صورتها على المسرح العالمي عبر عدة أمور كمثل ثقافة البوب (Pop Culture) الشعبية، والتي تشمل الأفلام، الأغاني وغيرها من الفنون.

جوزيف سامويل ناي عبر ذا دبلومات
جوزيف سامويل ناي عبر ذا دبلومات

القوة الناعمة اليابانية

تستخدم اليابان مفهوم القوة الناعمة كعامل جذب مهم لتعزيز اقتصادها ومكانتها حول العالم بصورة سلمية تتماشى مع منهجها كدولة ودستورها السلمي. وأبرز هذه الأسلحة في ترسانة القوة الناعمة لليابان تأتي من تحويل الثقافة العريقة، التقاليد والفنون الشعبية كالأنمي، المانغا وغيرها إلى وسائل ترويجية تُعزز مكانة البلاد حول العالم كدولة مؤثرة في الشؤون الخارجية كافة.

أحد الشعارات الخاصة ببرنامج "Cool Japan"
أحد الشعارات الخاصة ببرنامج “Cool Japan”

ويرتبط انتشار الثقافة اليابانية في العقد الأخير من الزمن بشكلٍ كبير بصندوق حكومي يدعى “Cool Japan” كاختصار والذي تم إنشاؤه من قبل جهات حكومية أبرزها وزارة الاقتصاد، التجارة والصناعة اليابانية في عام 2013 بالرغم من أن له جذوراً تعود لسنوات أسبق. و وضعت الحكومة اليابانية نحو 500 مليون دولار في هذا الصندوق من أجل دعم واسع لعدة قطاعات صناعية من ضمنها الأنمي والمانغا وغيرها، من أجل ترويجها خارج البلاد بكثرة مقارنةً بالسابق، لتعزيز مكانة الدولة كقوة ثقافية خارقة.

وعلى مر الزمن تحول التركيز بشدة إلى تعزيز ثقافة الظرافة اليابانية أو “الكاوايي – Kawaii” كما تُعرف، فمن منا لم يرَ شخصيات الأنمي الظريفة؟ أو شخصياته المحببة كـ”بيكاتشو” على سبيل المثال لا الحصر. وكانت هذه السياسة مع عوامل أخرى السبب الأكبر لجذب نحو 40 مليون سائح سنوياً دون احتساب محبي هذه الثقافة حول العالم والذين يقدر عددهم بمئات الملايين.


مقال ذو صلة: ما سبب تراجع عدد السكان في اليابان؟


انتشار المفهوم داخلياً

بعد نجاح مثل هذا المفهوم خارج اليابان تبنت العديد من الشركات، المؤسسات، البلديات والمحافظات داخل البلاد نفس الفكرة لمواجهة التحديات الاقتصادية العديدة التي تهدد مستقبلها. و تتمثل تلك التحديات بتراجع تعداد السكان، شيخوخة المجتمع وهجرة الشباب إلى طوكيو بحثاً عن العمل تاركين مدنهم الرئيسية، ومن هنا نبع مبدأ التمائم (Mascots) قبل نحو عقدٍ من الزمن.

دومو، الدمية الرسمية الممثلة لهيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK
دومو، الدمية الرسمية الممثلة لهيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK

حيث تقوم العديد من الحكومات المحلية بابتكار دُمى لشخصيات خيالية تدعى بالتمائم أو (Mascots) من أجل التسويق لسياساتها، تحقيق أهدافها أو تنمية اقتصاداتها المحلية. وبدأت هذه الموضة بالتسارع في اليابان حتى أصبح لكل محافظة أو مدينة يابانية تقريباً دُمية أو تميمة خيالية تمثلها داخلياً وخارجياً سواءً كانت رسمية ومدعومة من الحكومة أو غير رسمية. وتكون هذه التميمة أو الدمية كمرآة لمصدرها من ناحية الظرافة، الجمال أو حتى الرعب! ونشأ مصطلح ياباني لاحقاً يدعى بـ”يوروكيارا” وهو مصطلح مكون من كلمتين ويعني حرفياً أن تصنع تميمة وتسترخيَ بعدها!

أشهر الأسلحة في ترسانة اليابان الناعمة

لعل أشهر التمائم داخل اليابان هي دمية “كومامون” وهي تميمة ابتكرتها حكومة محافظة كوماموتو جنوب اليابان في عام 2010، حيث تمكنت عبر هذه التميمة من دعم الاقتصاد المحلي وتحقيق العديد من السياسات الناجحة وجذب اهتمام آلاف الناس داخلياً وخارجياً، وكان لهذه الدمية تأثيراً كبيراً في تعافي المحافظة من زلزال كوماموتو الكبير عام 2016 والذي تسبب بدمار واسع وخسائر في الأرواح والممتلكات.

ولكن دمية أو تميمة كومامون ليست الوحيدة مطلقاً فهناك عدة دمى شهيرة في البلاد سنتعرف عليها:

4- نجمة نيانغو (نيانغو ستار): تميمة مدينة كوروئيشي في محافظة آوموري شمال شرق اليابان، وتمتلك مواهب مشتعلة في موسيقى الروك آند رول وتعزف باتقان على الدرامز (الطبول)، ولديها عدة مقاطع شهيرة حيث تعزف ببراعة عليها.

3- فوناسّي: تميمة مدينة فوناباشي في محافظة تشيبا بالقرب من طوكيو، واشتهرت لأنها تضغ نفسها في مواقف لا تحسد عليها دوماً عبر التسبب بكوارث أو تفجيرات مضحكة جداً.

2- تشييتان: تميمة غير رسمية لمدينة سوساكي في محافظة كوتشي جنوب اليابان وهي نقيض التميمة الرسمية للمدينة والتي تشبهها بشدة مع أختلاف الألوان. تشتهر بحماقتها وظرافتها الكبيرة، حيث تسببت بالكثير من الجدل على الإنترنت عبر حسابها الرسمي على تويتر (والذي حذف لاحقاً) أو عبر قيامها بمغامرات فاشلة حيث ينتهي بها الأمر بأذية نفسها بشكلٍ غير مباشر! وتفجرت شهرتها بقوة حتى وصل اسمها إلى الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة،  وقامت عدة برامج بحلقات عنها كمثل برنامج Last Week Tonight على شبكة HBO من تقديم الكوميدي John Oliver.

1- ميرايتووا وسومييتي: الدميتان الرسميتان لتمثيل ألعاب طوكيو الأولمبية والبارالمبية لعام 2020، ويعني اسم ميرايتووا من كلمتين “ميراي” و “تووا” وتعنيان المستقبل وللأبد لتعبر عن الأماني لاستمرار مستقبل جميل للأبد. بينما يعني اسم سومييتي شجر كرز من نوع “سومييوشينو” والتعبير الإنجليزي “سو مايتي” أو عظيم للغاية. وهي تمثل عظمة الرياضيين البارالمبيين وإعجاب الشعب الياباني بأزهار الكرز.

498
ميرايتووا وسومييتي

الذهب الخفي

من الجدير بالذكر أن اليابان لم تنفرد في تطبيق هذا المفهوم بالرغم من نجاحاتها الاقتصادية المحلية والمركزية بعد تبنيه. فهناك دول أخرى كمثل كوريا الجنوبية والتي تستخدم القوة الناعمة للترويج لثقافة البوب الشعبية من فرق ودراما كورية جنوبية، كما تستخدم الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية أخرى نفس المفهوم لتعزيز مكانتها سياسياً واقتصادياً حول العالم عبر الأفلام والسينما على سبيل المثال لا الحصر.

ويعد مفهوم القوة الناعمة كالذهب الخفي بشكلٍ ما، على غرار الذهب الأسود، الذي يتسبب بصراعٍ دامٍ حوله في مختلف أنحاء العالم، ولكن الفرق هو أن الذهب الخفي الذي لا يمكن استغلاله إلا عبر  من يفهم كيفية رؤيته واستخدامه! وربما سيكون هذا المفهوم في المستقبل القريب كالمعيار الذهبي لتشكيل سياسات البلدان الخارجية وضمان تسويق ثقافاتها وتحقيق التنمية الاقتصادية سواءً كانت محلياً أو دولياً.

هل تخطط للسفر إلى اليابان من أجل السياحة؟ لا تتردد بالتواصل معنا عبر صفحتنا على فيسبوك
هل تخطط للسفر إلى اليابان من أجل السياحة؟ لا تتردد بالتواصل معنا عبر صفحتنا على فيسبوك

انضم الآن مجاناً لتصبح عضواً متميزاً في مجلة اليابان للحصول على آخر المستجدات والأخبار من الموقع مع العديد من العروض والمفاجآت! (اضغط هنا)


المصادر: وزارة الاقتصاد، التجارة والصناعة اليابانية – صندوق Cool Japan – هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية – وكالة كيودو – صحيفة “Japan Times” اليابانية
صورة المقال الأصلية: الصورة تعبيرية عبر Tokyo Fashion

4 ردود على “تعرف على ترسانة القوة الناعمة لليابان وأشهر أسلحتها”

  1. نتمنى أن نستفيد من التجربة اليابانية في مجال العلم والابتكار الإدارة أما الثقافة فجميل أن نتعرف على عادات وتقاليد الشعوب دون أن يكون هناك تقليد أعمى يسلخ الشعوب المتخلفة من هويتها وثقافتها الدينية

  2. مقال وضح الفكرة جيدا ويبدو ان اليابان نفذتها بشكل جيد

  3. اعجبتنى كثيرا القوه الناعمه فهى الحل الراقى الذي يجب ان تتعامل به الشعوب حيث أنك تجعل الاخر ينجذِب إليك بأسوبك الجميل .لا بإستخدام احدث ماتوصلت إليه الاسلحه الفتاكه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *