The Nippon Times • مجلة اليابان

كل ما يتعلق باليابان بين يديك

نبذة عن منقذ شركة نيسان كارلوس غصن

يعد السيد “كارلوس غصن” من أبرز رجال الأعمال الناجحين في العالم، فقد عمل على إدارة مجموعة من الشركات الكبرى في نفس الوقت، كما لعب دوراً حيوياً هاماً في إنقاذ شركات كانت تواجه شبح الإفلاس. إنه البطل الخارق كما تم وصفه في مانغا Big Comic Superior عام 2002. وذلك بعد أن كانت هناك الكثير من المخاوف في أوساط شركة نيسان والمجتمع الياباني عموماً من تعيين مسؤول غير ياباني كرئيس تنفيذي لأحد أكبر شركات السيارات في اليابان. شهرةً كبيرة نالها “البطل الخارق” كما وصفه الناس في اليابان مفتخرين به لوجوده في شركة نيسان، بل وصلت درجة إعجابهم وحبهم للسيد “غصن” إلى إطلاق اسمه على صندوق غذائي من صناديق البينتو الشهيرة في اليابان، وهي صناديق يتم استخدامها بين طلبة المدارس والموظفين بكثرة.
إنه المنقذ والساحر، و رئيس الرؤساء كما ورد ذكر ذلك لدى صحيفة فاينانشال تايمز حينما تحدثت عن إنجازاته العظيمة في فن إدارة مجموعة من الشركات الكبرى و رفع مستويات طاقتها الإنتاجية وزيادة أرباحها والحد من خسائرها بل وأيضاً انتشالها من حافة الإفلاس.
لكن من هو هذا البطل؟ وما الذي فعله؟ وما هو سر شعبيته؟
كارلوس غصن
كارلوس غصن
 ولد “كارلوس غصن” بمدينة بورتو فاليو البرازيلية وهو من أصل لبنانيّ، وانتقل مع عائلته بعد ست سنوات إلى لبنان للبدء بالدراسة، وليكمل فيما بعد دراسته الجامعية في العاصمة الفرنسية باريس، حيث تخرج من كلية الهندسة عام 1974. ومع تنقله بين هذه البلدان أصبح يتقن اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية بالإضافة إلى البرتغالية. وهو يحمل الجنسيتين الفرنسية والبرازيلية. بدأ “غصن” مشواره المهني في شركة ميشلان، وهي أكبر شركة أوروبية لصناعة إطارات المركبات المطاطية. وبعد عمله بفروع الشركة في كل من فرنسا وألمانيا؛ تم تعيينه رئيساً لقطاع البحوث والتطوير بالشركة. ثم تم تعيينه رئيساً لعمليات ميشلان في أميركا الجنوبية، حيث نجح في تثبيت أقدام الشركة بالمنطقة. وهذا ما شجع رؤساءه إلى تعيينه ليكون رئيساً لقطاع عمليات ميشلان في أميركا الشمالية في عام 1989.
مع التقدم الناجح والتميز الذي ناله “غصن” مع شركة ميشلان، تمكنت شركة رينو الفرنسية من استقطابه للعمل لديها عام 1996
وقد نشأ تحالف بين شركتي نيسان و رينو الفرنسية عام 1999، وحينها لم يحافظ “غصن” على منصبه وحسب؛ بل عين رئيساً لقطاع عمليات شركة نيسان ليتم تعيينه كرئيس تنفيذي للشركة في عام 2001 بعد إثبات جدارته بالعمل فيها. حيث تمكن من اختزال تكاليف الإنتاج والتشغيل لتتحول شركة نيسان من مجموعة كانت على وشك الإفلاس إلى شركة تدر الأرباح، حيث كانت ديون الشركة تتجاوز 22 مليار دولار، وعلى الرغم من ديونها الهائلة إلا أنه نجح في إعادتها إلى نقطة الصفر خلال عام ونصف فقط! بل وجعلها من أكبر الشركات الرابحة في غضون سنوات قليلة! والسر يكمن في قوة إرادة “غصن” الحديدية. يُذكر أن الكثير من العاملين والموظفين بالشركة قد فقدوا ثقتهم بشركتهم بعد استلام “غصن” نظراً لثقافة اليابانيين الانعزالية والطابع السائد العام آنذاك، حيث لا يثق الموظف الياباني بنماذج الإدارة الأوروبية. ويعطي الأولوية في الثقة دوماً لمواطنه الياباني ذو المرتبة الأعلى في السلم الوظيفي، حتى لو كان ذلك على حساب الشركة ومستقبلها بالكامل وذلك كله من أجل الحفاظ على التناغم والانسجام في بنية المجتمع وفقاً للعقلية اليابانية (تحدثنا بشكل مفصل عن العقلية اليابانية للاطلاع عليها يمكن الضغط هنا) . لكنّ “كارلوس غصن” قد نجح في تحطيم هذه العقلية وأحدث نقلةً نوعيةً بثورته في نيسان.
اعتمد “غصن” على سياسة صارمة لإنعاش الشركة العريقة وذلك من خلال التكفل بالنتائج واعتماد الشفافية بشكل دائم من أجل استعادة ثقة الصانع والمستثمر والمستهلك على حد سواء، و اتخاذ القرارات والتنفيذ بأقصى سرعة دون الوقوع في فخ البيروقراطية المنتشرة في الشركة في ذلك الوقت، وتجنب فرض أية آراء مسبقة بل إعطاء فرصة للبحث عن حلول داخل الشركة، وبالإضافة إلى احترام ثقافة الغير دون الخضوع لما تفرضه عاداته وتقاليده.
تحالف نيسان و رينو لم يكن إلا بداية القصة فقط!
مع نشأة التحالف تنشأ التحديات الجديدة بين أي شركة وأخرى، فهناك عوامل داخلية بين الشركتين المتحالفتين وأخرى خارجية تشمل الشركتين معاً كالمخاوف من وجود قوى تنافسية مسيطرة على الأسواق التي تمت تغطيتها والبحث عن سبل للتعامل معها ضمن المعطيات المتوفرة. شركة رينو الفرنسية كانت هي الأخرى تواجه تحديات كبرى بمفردها، فهي كانت تبحث عن طرق لخفض التكاليف، وكانت لديها الرغبة بالتوسع خارج الأسواق الأوروبية، أما شركة نيسان كانت تعتمد في تسويقها عل الأسواق اليابانية وأسواق أميركا الشمالية، ولديها مؤهلات عظيمة في مجال صناعة السيارات. وهنا وُجدت المصالح المشتركة.
عندما نشأ التحالف بين نيسان و رينو، قامت رينو بتسديد مبلغ 33 مليار فرنك فرنسي، مقابل حصة صغيرة من شركة نيسان تبلغ 8.36% فقط (نمت هذه الحصة فيما بعد لتشمل 43.4% لتحتفظ نيسان بغالبية حصتها مقابل امتلاك 15% من أسهم شركة رينو)، فالتحالف كان مجدياً لكن لم يكن كافياً لإنقاذ نيسان، فلو فشلت نيسان فإن الضربة القاضية ستكون من نصيب رينو التي قامت بتسديد الكلفة بناءً بموجب اتفاق التحالف. وصف العديد من المحللين والمراقبين خطوة التحالف هذه بأنها غير مجدية وغير واقعية، فمن أجل أن تنجو شركة ما من الإفلاس لابد من دمجها بشكل كامل بالشركة التي تتوصل إلى اتفاق معها للتقدم بخطوات جريئة إلى الأمام. إلا أن “كارلوس غصن” كان له رأي مخالف تماماً، حيث وصف هذا التحالف بأنه مثل الزواج، يحافظ كل من الزوجين على هويته الخاصة لكنهما يتشاركان معاً الرؤى والأحلام والأهداف والجهود بالمشاريع المشتركة. هنا تكمن المسؤولية الكبرى التي تولاها “كارلوس غصن” فبعد أن وعد الجميع في شركة نيسان بأنه إذا أخفق في إنقاذ الشركة فإنه سيستقيل على الفور. إلا أنه نجح في تقليص ديون نيسان عام 2001 إلى أقل من 4 مليار دولار بعد أن كانت 22 مليار دولار! بل إن أرباح مصنع الشركة وصلت إلى نحو 10% وهي أعلى نسبة تم تسجيلها بتاريخ نيسان في ذلك الوقت! كان العمال والموظفون في الشركة يلومون بعضهم البعض جراء أي إخفاق أو فشل في تأدية المهام والوظائف. لكن وبعد مرور ثلاث سنوات فقط، أصبح كل شخص يشعر بالمسؤولية الكاملة تجاه إنجاز المهام الموكلة إليه. كان “كارلوس غصن” صريحاً مع الموظفين والعاملين في الشركة منذ البداية بخصوص مبدأ الالتزام، وهو الهدف الأسمى الذي يجب تحقيقه، ويتم دعم هذا المبدأ بمعطيات رقمية. وما إن يتم التعهد بتنفيذ الالتزام بالعمل فلا شيء يعيق تحقيقه إلا الأحداث الخارجة عن السيطرة. وفي حال العجز عن التنفيذ، يتوجب على الجميع تحمل العواقب. الالتزام هو الحافز الأساسي الذي يقف وراء إنعاش شركة نيسان بحسب المحللين والخبراء في عالم صناعة السيارات. ومنذ ذلك الوقت؛ تضاعفت أرباح الشركة وتضاعفت طاقتها الإنتاجية حيث أصبحت تنتج ملايين السيارات كل سنة.
تحديات متواصلة
لم يكن عام 2011 سعيداً بالنسبة إلى اليابان، حيث شهدت اليابان كارثة تسونامي وزلزالها المدمر، وضربت موجات تسونامي السواحل اليابان الشمالية الشرقية، وقد سببت هذه الكارثة أزمة نووية خطيرة بمفاعل نووي في فوكوشيما أدت إلى إجلاء أكثر من خمسين ألف من السكان في المناطق المحيطة. وتأثرت كذلك كبرى الشركات  وتعطل العديد من خطوط الإنتاج والتصدير، إلا أن “غصن” تمكن من مواجهة الأزمة بذكاء، حيث نجح في تقليص الضرر الحاصل للشركة في فوكوشيما وأكد على الالتزام بإنتاج ما لا يقل عن مليون سيارة سنوياً.
وعلى الرغم من شغله لمنصبين كبيرين في شركات كبرى مثل نيسان و رينو، وكذلك في شركة أفتو فاز الروسية لصناعة السيارات. إلا أنه تمكن من أن يصبح رئيساً لثلاث شركات عالمية بعد أن استحوذت نيسان على حصة 34% من شركة ميتسوبيشي عام 2016، ليتنحى فيما بعد عن الإدارة المباشرة لنيسان من أجل أن يبقى رئيساً لمجلس إدارتها والتركيز على هذا التحالف الكبير والذي كان يطمح أن يجعله في قمة صناعة السيارات على مستوى العالم. وقد نجح بذلك بالفعل! حيث تربع هذا التحالف على عرش أكبر صانعي السيارات في العالم بإنتاج أكثر من 10 ملايين و 600 ألف سيارة عام 2017. متفوقاً بذلك على مجموعة شركات جنرال موتورز الأمريكية، فولكسفاغن الألمانية، و تويوتا اليابانية.
إن هذا التميز العابر للقارات هو ما أثار إعجاب الكثير من اليابانيين بعد أن كانوا متحفظين على قرار تعيينه رئيساً تنفيذياً للشركة منذ حوالي عقدين. ربما “كارلوس غصن” ليس مثالياً، لكنه وبكل تأكيد تمكن من تحقيق الكثير من الإنجازات التي عجز الكثير عن تحقيقها. تعدد المناصب والمسؤوليات في أكبر الشركات العالمية لم يمنعه أبداً من تحقيق المعجزات وسحق الأرقام القياسية التي لم يحلم بها حتى رؤساء الشركات القدامى! وهذا ما جعله محل إعجاب الكثيرين حتى من قبل منافسيه.
فلن ينسى النقاد والمراقبون ما قاله نائب رئيس شركة جنرال موتورز “بوب لوتز” عند انتشار خبر تحالف نيسان مع رينو، حيث قال عن رينو: “من الأفضل لهذه الشركة أن تضع الخمسة مليارات التي تريد أن تستثمرها في هذا التحالف في بارجة وتغرقها وسط المحيط” مستهزئاً بفرص نجاح هذا التحالف. المثير للسخرية بأنه خرج مصدوماً ومعترفاً برهانه الفاشل خلال مقابلة له مع قناة سي إن بي سي: “حسناً، لقد قلتُ بأن هذا التحالف لن ينجح، لكنه نجح بشكل ساحر لكلا الشركتين وأنا مندهش لذلك!” المشكلة لدى “لوتز” بطريقة تحليله وفقاً للنقاد والمحللين، فهو اعتمد كلياً على الشق المادي وطرح الأفكار المسبقة بدون البحث في الخيارات المتاحة داخل الشركات، بدلاً من التركيز على طريقة إدارة الشركات. وهذا هو المجال الذي أبدع فيه “كارلوس غصن” ليصبح أسطورة. لأنه فاجئ الكثير من المراقبين والمحللين والنقاد. نجح في أمور كثيرة كان يراهن فيها الأغلبية على فشلها. لذلك لُقب بالبطل، وأصبح عنواناً للكثير من الكتب الإنجليزية والفرنسية واليابانية، وعنواناً للكثير من المواضيع أيضاً لرسائل الماجستير في مجال إدارة الأعمال. وقد ألف “غصن” كتاباً باللغة الإنجليزية يروي فيها قصته مع شركة نيسان. وهو من الكتب الأكثر مبيعاً في مجال إدارة الأعمال. واسم الكتاب (التحول، النهوض التاريخي لشركة نيسان)
كتاب كارلوس غصن أحد أكثر الكتب شعبيةً في عالم المال والأعمال
كتاب كارلوس غصن أحد أكثر الكتب شعبيةً في عالم المال والأعمال
آخر إنجازات “كارلوس غصن”
لم يدخر “غصن” جهداً لتطوير خطوط إنتاج السيارات الكهربائية عديمة الانبعاثات، حيث تم طرح سيارة نيسان ليف الكهربائية عديمة الانبعاثات وطرحها في الأسواق الأمريكية واليابانية في عام 2010. واشتهر “غصن” بمقولته الشهيرة “حان وقت السيارات الكهربائية، بل إن الوقت بدأ ينفد” وذلك للتأكيد على ضرورة الانخراط في الأجيال الجديدة من عالم صناعة السيارات، فالمستقبل للسيارات الكهربائية.
سيارة نيسان ليف الكهربائية
سيارة نيسان ليف الكهربائية
قد يصعب ذكر كل الجوائز والأوسمة التي حصل عليها “غصن” نظراً لكثرتها، حيث نال شهرةً عالمية وإعجاب حتى لدى كبار الشخصيات وأصحاب الشركات والمؤسسات الكبرى. قامت مجلة فورتشن بمنحه لقب رجل أعمال آسيا، وحصل على وسام إيزابيلا الكاثوليكية، درجة الزمالة الدولية للأكاديمية الملكية للهندسة، جائزة الجمعية اليابانية لعام 2012، لقب قائد أعمال آسيا من سي إن بي سي، تم تصنيفه ضمن أقوى عشر رجال أعمال خارج الولايات المتحدة عام 2003 في مجال فورتشن. بالإضافة إلى العديد من الألقاب والأوسمة التي حصل عليها طيلة مسيرته المهنية.
هل تخطط للسفر إلى اليابان من أجل السياحة؟ لا تتردد بالتواصل معنا
هل تخطط للسفر إلى اليابان من أجل السياحة؟ لا تتردد بالتواصل معنا
خبر صادم
فوجئ  الكثير حول العالم بخبر احتجاز “كارلوس غصن” مؤخراً بسبب تجاوزات في التقارير المالية لشركة نيسان. وتراجعت أسهم شركتي رينو بنسبة 11% ، و نيسان بنسبة 6% متأثرةً بهذه الأخبار. وقد أثار هذا الموضوع ضجة في عالم المال والأعمال، اضطرت شركة نيسان لإقالته كرئيس في مجلة إدارة الشركة، واتخذت رينو نفس الإجراءات و عينت مديراً آخراً بدلاً عنه. و قد فوجئ الكثير من المعجبين والمتابعين بهذه الأنباء التي أثارت العديد من التساؤلات والشكوك والتكهنات حول مستقبل التحالف الثلاثي بين نيسان و ميتسوبيشي و رينو، الذي بناه بنفسه. يواجه “غصن” أزمة من العيار الثقيل. حيث يجري التحقيق معه في طوكيو حول اتهامات بالتهرب الضريبي وإساءة استخدام أموال الشركة لسداد نفقاته الشخصية وتكاليف رحلاته العائلية. الأمر الذي يهدد مستقبل أكبر تحالف لعمالقة صناعة السيارات في العالم. وعلى الرغم من تطمينات الرئيس التنفيذي لشركة نيسان “هيروتو سايكاوا” بأن التحالف لن يتأثر بهذا الحدث من جهة، وتأكيدات الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” و وزير الصناعة الياباني “هيروشيجي سيكو” على أهمية الحفاظ على استقرار التحالف من جهة أخرى، إلا أنه من الصعب للغاية التنبؤ بمستقبل جيد لهذا التحالف إذا لم ينجُ “كارلوس غصن” من الاتهامات الموجهة إليه في هذه المعركة القانونية.
بغض النظر عن هذه المعركة التي أساءت إلى سمعته وأفقدت ثقة من حوله به، إلا أن “كارلوس غصن” قد تمكن من تحقيق إنجازات كبيرة لن تنسى. هو من حقق من قبل ما كان يراه الكثير مستحيلاً. قد يستطيع النجاة من هذه الاتهامات من خلال قدرته على مواجهة التحديات، لكن هل سيستطيع استعادة الثقة التي فقدها خلال هذه الأزمة؟ الوقت كفيل لمعرفة الإجابة.
Tags:

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة